نحو إعادة بناء الثقة... فصل جديد في العلاقات الصينية– الكورية الجنوبية
مع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، شكّلت زيارة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى بكين مطلع كانون الثاني 2026 محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين. أربعة أيام من اللقاءات والاتفاقيات حملت رسائل سياسية واقتصادية عميقة، وأعادت فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بعد سنوات من الفتور.
استقبلت بكين في الرابع من كانون الثاني الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، في زيارة رسمية تُعد الأولى لرئيس كوري جنوبي منذ أكثر من ست سنوات، وأول زيارة له للصين منذ توليه منصبه في حزيران 2025. وجاءت بعد حوالي شهرين فقط على آخر لقاء له مع الرئيس الصيني شي جينبيغ في تشرين الثاني 2025 على هامش اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC)، المنعقد في كوريا الجنوبية.
تركزت النقاشات في بكين على ملفات استراتيجية، أبرزها: التعاون الاقتصادي والتجاري عبر سلاسل التوريد والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، إلى جانب مستقبل السلام في شبه الجزيرة الكورية.
وخلال القمة، كشفت تصريحات الرئيسين عن ملامح مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية. إذ أكد الرئيس لي، أنه «تم إحراز تقدم في استعادة الثقة مع بكين»، وأنه يسعى إلى بدء «مرحلة جديدة» مبنية على الثقة المتبادلة، معتبراً أن هذه القمة «فرصة مهمة لجعل 2026 أول عام لاستعادة العلاقات الكورية الصينية على جميع الأصعدة» كما تعهد بـ «السعي لبدائل ملائمة للسلام في شبه الجزيرة الكورية»، داعياً الصين إلى لعب دور الوسيط لإطلاق حوار مع كوريا الشمالية. من جانبه، دعا الرئيس شي نظيره الكوري إلى الوقوف إلى جانب الصين في اتخاذ «الخيارات الاستراتيجية الصحيحة» في عالم «يزداد تعقيداً واضطراباً»، مؤكداً، أن البلدين «يتحملان مسؤوليات مهمة في الحفاظ على السلام الإقليمي»، وأن عليهما «الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ» مشيراً إلى أن الجانبين «لديهما مصالح مشتركة واسعة النطاق» وعليهما «رعاية مصالح كل منهما الجوهرية، وشواغلها الرئيسية، والإصرار على حل الخلافات بشكل سليم عبر الحوار، والتشاور».
الجانب الاقتصادي كان حاضراً بقوة، إذ رافق الرئيس لي خلال الزيارة وفد تجاري غير مسبوق يضم نحو 200 من كبار قادة الأعمال في كوريا الجنوبية، من بينهم رؤساء شركات «سامسونج» للإلكترونيات، ومجموعة «SK» ومجموعة «هيونداي»، ومجموعة «LG»، فيما مثّل الصين شركات كبرى، مثل: شركة «كاتل» للبطاريات، وشركة «زد تي إي» للهواتف، وشركة «تنسنت» للتكنولوجيا. وجرى خلال الزيارة توقيع حوالي 14 مذكرة تفاهم تغطي مجالات مختلفة، من العلوم والتكنولوجيا إلى البيئة، والتجارة، إضافة إلى إطلاق منصة حوار تجاري منتظمة على المستوى الوزاري. ودعا الرئيس لي إلى توسيع التعاون الاقتصادي في مجال الذكاء الاصطناعي، وإلى التعاون في السلع الاستهلاكية كالأدوات المنزلية، ومستحضرات التجميل، والمنتجات الغذائية، والمحتوى الثقافي.
لم يغب البعد التاريخي عن الزيارة، ففي دلالة إلى المقاومة المشتركة ضد النزعة العسكرية اليابانية منذ أكثر من 80 عاماً، دعا شي إلى ضرورة تكاتف بكين وسيول «للدفاع عن ثمار النصر في الحرب العالمية الثانية وحماية السلام والاستقرار في شمال شرق آسيا». وبدوره أشار لي إلى الدعم الصيني لنضال كوريا الجنوبية من أجل الاستقلال، فقال: «ما يقرب من نصف المواقع التاريخية المرتبطة بالنضال تقع في الصين، ما يدل على أن الصين كانت المسرح الرئيسي لحركة استقلالنا». مؤكداً على «أهمية التفاهم والاحترام المتبادلين في تعزيز صداقة طويلة الأمد».
في المحصلة، بعد التوتر في العلاقات الثنائية، خصوصاً إثر قيام سيول بنشر منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية «THAAD» عام 2017، وما أثارته من اعتراض صيني. يسعى الطرفان اليوم إلى إعادة صياغة العلاقة باتجاه شراكة أكثر استقلالية، ترتكز على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. في وقت تقدم فيه القوى الصاعدة نموذجاً بديلاً بعيداً عن أنماط التبعية للهيمنة الغربية. لتمثل هذه الزيارة خطوة أولى في مسار طويل نحو استقرار إقليمي وتعاون استراتيجي، في شرق آسيا الذي يؤسس لتوازنات جديدة في عالم مضطرب.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260
حلا الحايك