أوروبا تُصعّد في أوكرانيا دون أي قوة حقيقية
نور الدمشقي نور الدمشقي

أوروبا تُصعّد في أوكرانيا دون أي قوة حقيقية

يشهد الملف الأوكراني تداخلاً متسارعاً بين المسارين العسكري والسياسي، من دون أن يخرج عن الإطار العام الذي بات مألوفاً منذ أشهر: مماطلة غربية مستمرة، مقابل تقدّم روسي ثابت على الأرض، وتصعيد أوروبي متزايد لا يملك في جوهره أدوات القوة اللازمة لتحويله إلى وقائع فعلية.

ميدانياً، لا تزال روسيا تمسك بزمام المبادرة، فوتيرة العمليات المرتفعة، وكثافة الضربات الجوية والصاروخية، واستخدام أسلحة نوعية، مثل: صواريخ «أوريشنيك» لأول مرة، تعكس بوضوح أن موسكو انتقلت إلى مرحلة تثبيت التفوق العسكري، وليس الاكتفاء بإدارته، أو التلويح به، كما أن التقدم الروسي المتواصل على عدة محاور، رغم الضربات الأوكرانية بعيدة المدى، يؤكد أن ميزان القوى يميل بشكل متزايد لمصلحة موسكو، فيما تخسر كييف يومياً مساحات جديدة، وقدرات بشرية وعسكرية يصعب تعويضها.
في المقابل، تستمر أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون بالدوران في الفلك نفسه ضمن حديث متكرر عن مبادرات سلام، اجتماعات، قمم، وضمانات أمنية مستقبلية، من دون أي استعداد فعلي لمعالجة جوهر الصراع، والولايات المتحدة، رغم اندفاع إدارة ترامب لإظهار نفسها كوسيط يسعى لإنهاء الحرب، لا تزال تستخدم الوقت كأداة تفاوضية، فيما الأوروبيون يبدون عاجزين عن الخروج من معادلة الانتظار والارتهان للقرار الأميركي.
التطور الأخطر في هذا السياق يتمثل في التصعيد الأوروبي الواضح، وصولاً إلى طرح فكرة نشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا بقيادة أوروبية، رغم أن هذا الطرح لا يعكس قوة بقدر ما يعكس مأزقاً، فأوروبا، التي فشلت في فرض أي توازن عسكري، أو سياسي خلال سنوات الحرب، تحاول القفز إلى الأمام عبر خطوات تحمل مخاطر كبرى، والرد الروسي كان حاسماً: أي وجود عسكري أجنبي على الأراضي الأوكرانية سيكون هدفاً عسكرياً مشروعاً... هذا الموقف لا يترك مجالاً للالتباس، ويضع أوروبا أمام معادلة خطرة عنوانها: الانزلاق نحو مواجهة مباشرة لا تملك أدواتها ولا قدرة تحمل كلفتها.
الواقع أن أوروبا، من دون الولايات المتحدة، لا تملك القدرة العسكرية، أو السياسية، أو الاقتصادية لمواجهة روسيا، فقدراتها العسكرية تعاني من نقص الجاهزية، واقتصاداتها منهكة، وقرارها السياسي منقسم، وحتى مع الدعم الأمريكي، فإن قدرتها على فرض وقائع جديدة على موسكو تبدو محدودة للغاية، خاصة في ظل تصميم روسي واضح على منع أي تمدد للناتو نحو حدودها.
في هذا الإطار، تواصل موسكو اللعب على المسارين معاً.
سياسياً: لا تزال تؤكد استعدادها للحل الدبلوماسي، شرط البحث في الأسباب الجذرية للصراع وحلها، وعلى رأسها حياد أوكرانيا ووقف تمدد الناتو.
عسكرياً: تمضي بثبات في فرض هذا المنطق على الأرض، عبر تحقيق انتصارات يومية تعزز موقعها التفاوضي.
في المحصلة، يبدو أن الخاسر الأكبر هو أوروبا نفسها، فإصرارها على التصعيد، ورفضها القبول بحياد أوكرانيا، يدفعها نحو مواجهة تهدد أمنها واستقرارها، في حين تخرج روسيا من هذا المسار أكثر قوة وثباتاً، وتجد أوكرانيا نفسها عالقة بين وعود لا تتحقق، وخسائر تتراكم تنذر بفوضى داخلية عارمة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1260