دول إقليمية أساسية… تعاون ينتقل من الظل إلى العلن!

دول إقليمية أساسية… تعاون ينتقل من الظل إلى العلن!

تشهد منطقة غرب آسيا تصاعداً متسارعاً على عددٍ من الأصعدة، فبالإضافة إلى النقاط الملتهبة في فلسطين ولبنان وسورية، ارتفعت حدّة المواجهات في اليمن والبحر الأحمر، هذا بالإضافة إلى دخول المظاهرات في إيران أسبوعها الثالث، مع تصاعد ملحوظ في التهديدات الأمريكية و«الإسرائيلية» ضد طهران، ما يعني أن الولايات المتحدة تعمل حتى اللحظة بشكلٍ نشط على تغيير خريطة التوازنات في المنطقة، عبر تفجير واحدة على الأقل من البلدان الإقليمية الأساسية: السعودية وتركيا وإيران ومصر.

بعد أن طرحت الولايات المتحدة في نهاية العام 2025 استراتيجية الأمن القومي، وأدخلت عليها تغييرات جذرية، كان من الملفت أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسعى لتركيز اهتمامها على نصف الكرة الغربي، وهو ما بدأت تنفيذه بالفعل في فنزويلا خلال الأسابيع الماضية، لكن ذلك لا يعني ترك مسرح غرب آسيا أو التخلي عنه! فمخطط التفجير لا يزال قائماً، لكنه يعتمد اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى على تفجير التناقضات الداخلية في المنطقة، والتي تراكمت خلال عقود من التدخل الأمريكي المباشر، وما خلفه من بؤر توترٍ جاهزةٍ للانفجار.


إيران بين مطالب التغيير واحتمالات التفجير


إن الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها المدن الإيرانية مؤخراً تستند حتماً إلى واقعٍ اقتصاديٍ وسياسي صعب ومعقد، لكنّها تخلق دون شك فرصة للولايات المتحدة و«إسرائيل» لزيادة الضغط الواقع على طهران، فإن كانت شرائح واسعة من الشعب الإيراني تطمح للتغيير، إلا أن التجربة الملموسة في المنطقة تشير إلى أنه لا يوجد تقاطع بين رغبة الشعب الإيراني والسعي الأمريكي و«الإسرائيلي» لتفجير المشهد، فالهدف الموضوع في واشنطن لا ينحصر في تغيير النظام في طهران واستبداله بنظام موالٍ للولايات المتحدة فحسب! بل إن المطلوب فعلياً هو دفع إيران إلى حالة من الفوضى العارمة، ما يمكن أن يغيّر في التوازنات الإقليمية القائمة، ويتحوّل إلى ضربة جديدة في المحيط
الحيوي الصيني والروسي. ويؤثر سلباً على الوضع القائم في تركيا والسعودية، وهو ما يفسر طبيعة الموقف التركي الذي أعلنه وزير الخارجية هاكان فيدان، الذي اعتبر الاحتجاجات في إيران نتيجة مشكلات هيكلية حقيقية، لكنّه حذّر في الوقت نفسه من أنّها «تتعرض للتلاعب من قبل خصوم إيران» ووجه أصابع الاتهام إلى «إسرائيل» والموساد، وأعلن استعداد بلاده لاتخاذ كل ما يلزم لـ «منع دعم [إسرائيل] للاحتجاجات»، ومؤكداً في الوقت نفسه أن: «النتيجة التي تنتظرها [إسرائيل] لن تتحقق».
إن الإحاطة بتطورات المشهد الداخلي في إيران، وبالاستناد إلى تجربة المنطقة خلال العقدين الماضيين، ينبغي أن تنطلق من حقيقة ثابتة تقر بالأسباب الموضوعية للاحتجاج، لكنّها توسّع زاوية الرؤية لتشمل طبيعة الدور الأمريكي التخريبي، الذي وضع إيران تحت ضغوط اقتصادية كبيرة، ويحاول اليوم منع الشعب الإيراني من إنجاز أي تغيير عبر زيادة وتيرة التدخلات الخارجية.


خطوة في الاتجاه المقابل!


إن الواقع الحالي، يكشف أن الدول الإقليمية الأساسية تدرك طبيعة وحجم التهديد القائم، ولا يغيب عنها دور واشنطن في كلِّ ذلك، وإن كانت حدّة الخطاب السياسي الرسمي تجاه واشنطن تتسم بقدرٍ كبيرٍ من الدبلوماسية، إلا أن ما شهده اليمن والقرن الأفريقي خلال الأسابيع الماضية، يشير إلى أن كتلة إقليمية جدية تعمل بشكلٍ منسقٍ ومنتظم، وانتقلت من الخطوات الاحترازية إلى ساحة الفعل، وتحديداً لِلجم «إسرائيل» والإمارات، خصوصاً بعد أن بات واضحاً أنهما إلى جانب عدد من التنظيمات على الأرض يعملون كوكيل لتنفيذ الأهداف الأمريكية بالتفجير.
وفي هذا السياق، ظهر خلال الأيام القليلة الماضية عددٌ من التقارير المهمة في صحفٍ غربيةٍ وآسيوية، تفيد باقتراب انضمام تركيا للتحالف الدفاعي القائم بين السعودية وباكستان، فعلى الرغم من غياب أي تأكيدات رسمية، تقول تقارير أبرزها في وكالة بلومبيرغ: إن أنقرة دخلت المرحلة الأخيرة من التحضيرات، وستكون جزءاً من تحالفٍ ينص على أن أي اعتداء على أي دولة من الدول الثلاث هو اعتداء عليهم جميعاُ.
المؤشرات على أرض الواقع تدعم اتجاهاً كهذا، ففي الأسبوع الأول من 2026 عقدت القوات البحرية التركية والسعودية اجتماعاً للتنسيق والتعاون البحري في أنقرة، وهو ما وصفته وزارة الدفاع التركية بأنّه: «يمثل مرحلةً جديدةً في العلاقات»، ثم خرج فيدان في تصريحات رسمية ليؤكد على أهميته بقوله: «التعاون عالي الجودة بين تركيا والسعودية ومصر» والأهم، أنّه اعتبر «عصر انتظار المنقذ من الخارج» انتهى، وبات من الضروري للمنطقة أن تعتمد على قدراتها الذاتية.
لماذا باكستان وما طبيعة دورها بالتحديد؟!
إن إسلام أباد تؤدي دوراً أكثر وضوحاً في غرب آسيا مؤخراً، فرغم أن باكستان تتمتع بقدرات عسكرية وبشرية معروفة، إلاّ أن حضورها الحالي لم يكن مألوفاً سابقاً، والآن يظهرُ اسمها في عددٍ من الملفات الكبرى، من السودان إلى غرب آسيا.
فإلى جانب اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية في 17 أيلول 2025، ظهر دور باكستاني واضح في حرب الـ 12 يوماً، التي اندلعت بين إيران و«إسرائيل» والولايات المتحدة الأمريكية، وتداولت مجموعة من التقارير، أن باكستان لم تكتف بدعم إيران بالتصريحات السياسية، بل قدّمت دعماً عسكرياً غير معلنٍ خلال أيام الحرب وبعدها. وبالنسبة لتركيا تتعاون منذ زمن مع باكستان في مجال الدفاع، وهناك مشاريع مشتركة بين البلدين، مثل: تطوير صناعات السفن الحربية من طراز كورفيت، كما طورّت أنقرة أسطول طائرات F16 التي تملكها باكستان، ووجهت تركيا مؤخراً دعوة لباكستان والسعودية للانضمام إلى برنامج إنتاج الطائرة المقاتلة التركية من الجيل الخامس «قاآن» إلى جانب ميادين تعاون عسكري أخرى متعددة، على رأسها تطوير الطائرات المسيّرة.
وبخصوص الصفقة المعلن عنها بين باكستان والجيش السوداني، من المقرر أن يحصل الأخير على أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار من باكستان، والتي تشكل بنظر المحللين «حقنة أدرينالين» للجيش السوداني، وستؤثر بشكل ملحوظ على قدراته وأدائه بمواجهة قوات الدعم السريع.
ترتبط باكستان بدورها بسلسلة من اتفاقيات التعاون الدفاعي مع بكين، التي تنقل بالفعل جزءاً من التكنولوجيا العسكرية الصينية إلى إسلام أباد، ويعملان معاً منذ عقودٍ على تطوير مقاتلات متطورة باسم JF-17 Thunder والتي أظهرت تفوقاً ملحوظاً في المواجهات الأخيرة بين باكستان والهند، ويظهر اليوم أن باكستان تعمل بالفعل على توريد هذه الطائرات إلى عدد من الأطراف، مثل: السعودية والسودان وتركيا وليبيا، ما يعني فعلياً أن باكستان تعمل اليوم كبوابة لنقل الأسلحة الصينية إلى المنطقة، ما يؤكد أن النشاط الإقليمي والتقارب بين الدول الأساسية التي تحدثنا عنه هو تطوّر يسير ضمن الاتجاه العام لتكامل دول الإقليم مع قوى الشرق وتحديداً الصين، التي تدرك أيضاً أنّها مستهدفة في كل ما يجري، وهي لذلك مستعدة لأداء دور حيوي يرفع من حصانة المنطقة ضد محاولات التفجير.
على الرغم أن نظرة عامة إلى منطقة غرب آسيا، تظهر مستويات غير مسبوقة من الفوضى والاضطرابات إلا أن المفاتيح الأساسية في الإقليم تعمل بشكلٍ نشطٍ لاحتواء كل هذا، بل وانتقلت فعلياً من مرحلة الاحتواء إلى توجيه الضربات، بعد أن أنشأت خلال السنوات الماضية شبكة من العلاقات بعيداً عن الضجيج الإعلامي، تحولّت اليوم إلى حصن متماسك، فعلى الرغم من أن خريطة التحالفات لا تزال غير مكتملة، وغير معلنة بشكلٍ واضح، إلا أنها تجمع اليوم بين السعودية وتركيا ومصر وإيران وباكستان، بوصفها أطرافاً أساسية، بالإضافة إلى علاقات مع أطراف وقوى فاعلة في دائرة أوسع ضمن الإقليم، ويجري كل ذلك بتنسيق واضح مع والصين وروسيا.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1260