القرن الأفريقي والبحر الأحمر ... ملفات مترابطة وهدف واحد!
معتز منصور معتز منصور

القرن الأفريقي والبحر الأحمر ... ملفات مترابطة وهدف واحد!

تشهد العديد من بؤر التوتر في العالم تصعيداً واضحاً وخطيراً، يدفع الأمور في كل ملف نحو مواجهات شاملة، تتقاطع فيها العوامل الداخلية والخارجية، وتتفاعل فيها التدخلات الإقليمية والدولية. ومن بين هذه البؤر، تبرز المنطقة الممتدة من السودان إلى اليمن، مروراً بالقرن الأفريقي، كمنطقة ساخنة يتصاعد فيها الصراع على أكثر من مستوى، ويُدار فيها التصعيد بخطوات متزامنة تهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض.

في السودان، شهد العام الماضي عمليات كرّ وفرّ بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع، إذ استعاد الجيش السيطرة على العاصمة الخرطوم، وطرد الدعم السريع من مناطق واسعة، لتليها موجة هجوم عكسية ناجحة للدعم السريع، تمكنت خلالها من السيطرة على مدينة الفاشر الاستراتيجية وأجزاء واسعة من ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان. وما زاد من تعقيد المشهد، تحركات لمليشيات مسلحة على الحدود الإثيوبية في ولاية النيل الأزرق، في ظل اتهامات متكررة بتلقيها دعماً إثيوبياً.
هذا الدور الإثيوبي لا يقتصر على التدخل في الشأن السوداني، بل ينبع من طموح أعمق: محاولة الدولة الحبيسة الوصول إلى ممرات بحرية في البحر الأحمر وخليج عدن. فقد تصاعد الخلاف بين إثيوبيا والصومال حول مسألة الاعتراف بـ«أرض الصومال» كدولة مستقلة، مقابل حصول أديس أبابا على مزايا استثنائية في ميناء ومطار بربرة. وحين هدد الخلاف بالتحول إلى مواجهة مباشرة، تدخلت تركيا كوسيط، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الطرفين وهو ما يُظهر حجم التنافس الإقليمي على الممرات البحرية الحيوية.
ولم تتوقف طموحات إثيوبيا عند هذا الحد، بل حاولت الضغط على إريتريا عبر مطالبات تاريخية بالوصول إلى ميناء عصب، ما دفع الرئيس أسياس أفورقي للتوجه سريعاً نحو الرياض، والإعلان عن تعاون سعودي-إريتري لتطوير الميناء في خطوة لمواجهة المحاولات الإثيوبية، وتأكيد الدور السعودي المتزايد في حماية منافذ البحر الأحمر.
وعلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر، لا يزال المشهد اليمني معقداً. فرغم محاولات الولايات المتحدة و«إسرائيل» شن ضربات جوية ضد جماعة أنصار الله، لم تُسفر هذه الحملات عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وفي المقابل، شهدت المنطقة تصعيداً خطيراً، تمثّل في خطوات متزامنة تشمل الاعتراف من قبل الكيان الصهيوني بـ«أرض الصومال» كدولة ذات سيادة، وتقدّم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن نحو السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة.
هذا التزامن ليس صدفة، بل هو سلسلة من الخطوات المتناغمة التي تهدف، في جوهرها، إلى تهديد الأمن القومي للدول الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها مصر والسعودية عبر توريطها في صراعات إقليمية مديدة مع مليشيات متحاربة. وإشغال هذه الدول والضغط عليها وصولاً لإنهائها كقوى قادرة، أو تملك إمكانية الوقوف بوجه التوسع الصهيوني الذي أصبح أكثر علنية ووقاحة، وهنا تلتقي الرغبة «الإسرائيلية» بالطموح الإماراتي للعب دور ضمن المنظومة العالمية الغربية.
الكثير من المحللين يعتبر أن التسارع في الأحداث هو محاولة ملء الفراغ الناتج عن الانسحاب الأمريكي التدريجي المستمر من المنطقة، ومحاولة القوة العسكرية الصهيونية، والقوة المالية الإماراتية ملء هذا الفراغ، لذلك يظهر أحد جوانب هذه التحركات بالضد من مصالح دول المنطقة واستكمالاً للمشاريع الأمريكية في الفوضى الخلاقة، ونشر الصراعات، في خطوة تظهر تعارضاً مع طموح القوى الصاعدة، وعلى رأسها الصين في استكمال مشاريعها الاقتصادية
هل هناك تناقض بين سرقة الثروات والفوضى
يتبادر إلى الذهن أن أي محاولة استثمار وقيام بنية تحتية تحتاج الى استقرار ضمن الدولة وبنية مؤسساتية واضحة، هذا صحيح بشكل عام، ولكن الاستعمار قّدم نموذجاً مختلفاً تماماً، فقد ترافقت عمليات النهب التاريخية للمعادن والذهب والموارد الطبيعية الأفريقية بنشر الفوضى والميليشيات والصراعات العرقية، حيث يكفي أن تقوم بتمويل ميليشيا فتصبح لاحقا جزءاً من المشروع لضمان استمرار سيطرتك على الثروات، وهذا ينطبق على قوات الدعم السريع، وسرقتهم للذهب في السودان، فالهدف ليس بناء دولة، بل خلق فراغ أمني ومؤسساتي تُدار من خلاله النقاط الاستراتيجية: الموانئ، مضائق الملاحة، والممرات التجارية. والتجربة الاستعمارية في أفريقيا، لا سيما في مرحلة ما بعد الاستقلال، تُثبت أن «الفوضى أكثر ربحية من الاستقرار» حين يتعلق الأمر بالهيمنة على الممرات والموارد.
التواجد العسكري «الإسرائيلي» هو التهديد الأكبر، فهو تواجد معلن في مناطق حساسة، كمضيق باب المندب. فهذا التواجد لا يهدد فقط أمن مصر والسعودية، بل يمتد ليُشكّل تهديداً مباشراً للتجارة العالمية، ويستهدف، ضمناً، مصالح قوى عظمى، مثل: الصين، التي تربطها ممرات بحرية حيوية بهذه المنطقة. ولعل ما أعلنته وزارة الخارجية الجيبوتية، من دعوة الصين إلى «أن تتولّى مسؤولياتها المعنوية، في ضوء التشابه الواضح مع مسألة تايوان التي طالما دافعت عنها»، ليس سوى جرس إنذار مبكر لانخراط القوى الكبرى في صراع قد لا يطول فقط القرن الأفريقي، بل يمتد ليُعيد رسم خرائط النفوذ في المحيط الهندي والبحر الأحمر معاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1259