عين الحلوة الفلسطيني والأزمة اللبنانية

عين الحلوة الفلسطيني والأزمة اللبنانية

بقدر ما ترتبط أحداث مخيم عين الحلوة الفلسطيني في جنوبي لبنان بالانقسامات والخلافات الفلسطينية، فإنه يرتبط بالتطورات والأحداث اللبنانية نفسها؛ حيث تتزايد حدة الأزمة السياسية اللبنانية، وتتزايد معها فرص تفجير أزمة اجتماعية.

يربط كثيرون أحداث مخيم عين الحلوة من اغتيال واشتباكات، بالتظاهرات التي كانت تجري هناك ضد قانون العمل اللبناني الجديد، الذي يهدف بحسب وصف وزير العمل إلى تنظيم العمالة الأجنبية، والتي تشمل ضمناً العمالة الفلسطينية، ويفرض في أحد بنوده الحصول على ترخيص لمزاولة أيّة مهنة، بسياق عُنصريّ غايته أيضاً شحن الجميع باتجاه تناقضات وهميّة تضع الزيت على النار. علماً أنّ أول من باشر بسياسة حظر مهن محددة وكثيرة العدد (حوالي 70 مهنة) عن العمالة الفلسطينية هو أمين جميل سنة 1983، وبقي الوضع بهذه الصورة حتى عام 2005 حيث شهد تحسناً طفيفاً أيام وزير العمل اللبناني طراد حمادة، الذي أزال الحظر عن عمل الفلسطينيين في عدد كبير من المهن، ولكن مع اشتراط منعهم من الانتساب إلى النقابات، أي: مع حرمانهم من واحدة من أهم أدوات دفاعهم عن حقوقهم.
وضمن مسار التطور القانوني في التعامل مع العمالة الفلسطينية في لبنان، ظهر القانونان 128 و129، الصادران عن مجلس النواب اللبناني عام 2010، واللذان رمَّما جزئياً إحدى أكثر الطُّرَف القانونية سماجة (قبل ذلك التاريخ كان يخصم من راتب العامل الفلسطيني لمصلحة الضمان الاجتماعي، دون تسجيله في النقابات، ودون أن يسمح له بالاستفادة من الضمان الاجتماعي) حيث أقرَّا تعويض نهاية خدمة، يُغطي جزءاً مما يدفعه العامل الفلسطيني للضمان الاجتماعي خلال سنوات عمله، وأول من طبق هذا القانون فعلياً هو وزير العمل شربل نحاس عام 2011. هذا التطور البطيء، ورغم بقائه ضمن حدود شديدة الضيق، وأقل بكثير من المطلوب، إلا أنه تلقى ضربة، وانتكاسة أعادته إلى أيام أمين جميل، مع قانون العمل الجديد...

إجراءات سياسية

دون إيغال إضافي في تفاصيل تعقيدات الوضع اللبناني، بمختلف قواه وأطرافه السياسية، يمكن وضع نقطة تصاعد الأزمة السياسية مع لحظة إعلان الحكومة اللبنانية تخفيض نسبة العجز في موازنة 2019 مع ما رافقها من تعديلات قانونية وإدارية، لتشرع جميع الأطراف بعد ذلك في البحث عن مخارج تُنفّس من خلالها عن تقلّص أرباحها إذا ما استمر العمل بالآلية ذاتها، لتتجدد على إثر ذلك سلسلة من الدعوات العنصرية في الإعلام اتجاه غير اللبنانين، بغاية الضغط باتجاه تخفيض أجورهم أكثر، أو منعهم من دخول سوق العمل، الذي يعني في ما يعني الفلسطينيين المقيمين في لبنان، لتنشأ عن ذلك تظاهرات يومية في مخيم عين الحلوة احتجاجاً على قانون العمل الجديد.

شرارة بغاية التفجير

بالاستفادة من هذه التطورات اللبنانية، والخلافات الفلسطينية، جرى في أثناء إحدى التظاهرات اغتيال الشاب حسين علاء الدين العضو في حركة فتح الفلسطينية، ليتحول الحدث إلى شرارة تفجير في المخيم، ولتتبعه بعد ذلك عمليات عسكرية من إطلاق رصاص وقذائف صاروخية بين حركة فتح، وعصبة الأنصار مع المجموعات التابعة لبلال العرقوب، وهو أحد المتشددين المُتهم بقيامه بعدة عمليات اغتيال أخرى سابقة في مخيم عين الحلوة، انتهت إلى اقتحامهم مربعه الأمني ثم العثور عليه وتصفيته.

تطورات اجتماعية

نشأت على إثر هذه الأحداث موجة من المهاترات الإعلامية بالصيغة العُنصرية، ضمن ثنائية لبناني- فلسطيني، بغاية تصعيد التوتر لتشمل كُل لبنان، وينقسم اللبنانيون فيما بينهم أيضاً بين مؤيدٍ ومعارضٍ لها، بذرائع مختلفة... ليكون بذلك قد تحقق جزء من أهداف تفجير عين الحلوة بتصعيدٍ للتوتر الاجتماعي باتجاهات بعيدة عن أسبابه الفعلية الاقتصادية الاجتماعية.

المخيمات «الفلسطينية»

ما يجري تغييبه عن عمد من معظم السجالات السياسية والاقتصادية اللبنانية حول المخيمات عموماً، (إذا اكتفينا بالعودة إلى مخيم نهر البارد وجُند الإسلام ووصولاً لليوم الراهن)، هو أنّ عدد اللبنانيين ضمن المخيمات «الفلسطينية» بات منذ سنوات عديدة مساوياً لعدد الفلسطينيين، كنتيجة مباشرة لتفاقم الفوارق الطبقية ضمن المجتمع ككل، والتي تدفع بشكل يومي مزيداً من اللبنانيين بعيداً عن مراكز المدن، وباتجاه أحزمة البؤس حيث الإيجارات الأرخص، والخدمات الأرخص، والأسوأ بطبيعة الحال، أو غير الموجودة من الأساس.
بكلام آخر، إنّ النظر عميقاً إلى أزمة المخيمات الفلسطينية وما يجري فيها، وإلى أزمة العامل الفلسطيني، بات منذ سنوات عديدة، منظاراً حقيقياً للأزمات اللبنانية الداخلية نفسها، أزمة المنظومة السياسية الاقتصادية الحاكمة في لبنان، وأزمة المجتمع اللبناني، وأزمة العامل اللبناني.

من المُسبب؟

بالحديث عن المسؤولية خلف هذا التصعيد، لا يمكن تحديد طرفٍ بعينه، بل ربما الصحيح أن من مصلحة غالبية الأطراف اللبنانية مع أخرى خارجية تعقيد وتوتير الأوضاع، إلا أنّه يمكن القول بأن منظومة التحاصص اللبنانية التي لم تعد تتناسب ببنيتها ووظيفتها وشكلها مع التطورات السياسية داخلياً وخارجياً، تُفرز وستُفرز أكثر، أزمات اجتماعية بسبب التناقض الجاري بينها وبين ضرورات الحاضر المطالبة بتغييرها كُلياً. إن هذه الأحداث لا تتعلق بأي شكل من الأشكال بالمهاترات العُنصرية المروّج لها، بل إنها مع تلك المهاترات المُفتعلة، أدوات يجري دفعها عمداً بغاية الاستفادة من تفاعلاتها لصالح قوى الفساد اللبنانية المتمثلة بمنظومة التحاصص تلك.

معلومات إضافية

العدد رقم:
926
آخر تعديل على السبت, 17 آب/أغسطس 2019 15:32