متى يعلن بنك «أولمرت براذرز» إفلاسه؟

لم تكن مصادفة أن تداول الإعلام الحربي الإسرائيلي مصطلح «بنك الأهداف» تسمية لأحدث عملياته العدوانية على غزة، بمباركة «المجتمع الدولي- الأمريكي» ودول محور «الاعتدال العربي»، وذلك من أجل إعادة الاعتبار، من ضمن أهداف إستراتيجية أخرى يتوهمها قادة الكيان، للنظام الرأسمالي العالمي المتداعي، بحيث يصبح نجاح «بنك أهداف غزة» تعويضاً عن إفلاس بنك «ليمان براذرز» الأمريكي الذي أنذر بمرحلة الطور النهائي من الأزمة الرأسمالية، التي تتداخل فيها بالطبع العوامل والأبعاد المالية والتجارية والصناعية والنفطية بالعسكرية. ومن هنا فإن أهمية معركة الصمود في غزة، ترتدي أبعاداً أممية بالمعنى الثوري انطلاقاً من قضية التحرر الوطني الفلسطيني، ومواجهة أطوار جديدة نوعية من محاولات تصفية القضية الفلسطينية وحصرها في «الأزمة الإنسانية في غزة»، على خطورتها واستفحالها. ومن قال إن كل الفلسطينيين في كل أرجاء فلسطين المحتلة والشتات لا يعانون من منحى متصاعد لأزمة إنسانية تتفاوت حدتها بين طور وآخر؟

عبر ترويج «بنك الأهداف» في غزة، هدأ  على سبيل المثال الحديث عن الأزمة، وهدأ الحديث عن منتصر الزيدي الذي باتت أشباه حذائه تجوب تظاهرات العالم وتضرب صور بوش وعملائه، في مقابل تمرير قانون انتخاب المحافظات في العراق. ولكن لعبة «عض الأصابع» التي اختار قادة الكيان إطلاقها بالدم والنار على الغزاويين والأجنحة العسكرية لفصائل مقاومتهم بدأت تتسبب بتساقط الأصابع الإسرائيلية ذاتها وهي تعد الخسائر المتلاحقة من الجنود إلى الدبابات وناقلات الجند والعربات بمن فيها، إلى الحوامات وطائرات الاستطلاع.

***
جاءت مجازر غزة لتظهر الدور الملتبس– الذي طالما تحدثنا عنه- الذي تقوم به كل من قطر وتركيا بـ«أبهى حلله»، من خلال تقديم كل من حمد بن خليفة بن جبر آل ثاني ورجب طيب أردوغان (في يوم واحد للمصادفة أيضاً ولكن بعد عشرة أيام من العدوان) لطروحات كلامية سياسية متطورة حقاً وتقف عند «أقصى يسار»، ليس النظام العربي الرسمي بالطبع، بل وحتى بعض الشارع العربي، وتدغدغ مشاعر البعض الآخر، وذلك من خلال إجراء عملية استقطاب سياسي دبلوماسي معزز بموقف شعبي «مليوني في الحالة التركية» رافض للعدوان ومطالب بوقف المجزرة!
ولو أن هذه الطروحات اقترنت بأفعال على الأرض، أقلها إعلان إغلاق الممثلية التجارية في الدوحة، أو طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة (كما فعل العروبي حتى العظم شافيز) أو وقف التعاون العسكري مع تل أبيب، لكانت تحولت إلى رافعة حقيقية للموقف العربي والإسلامي. ولكن اقتصارها على الطرح النظري، الهام والواضح، يراد منه أن يكون رافعة وهمية تستقطب الفلسطينيين وحواضنهم، شعباً ومقاومة، فتكون «التخريجة» «الحمدية-الأردوغانية» ألطف مما طرحه إحياءً لمشاريع مطروحة منذ أكثر من سنتين «محمود عباس» بشكل فج ومباشر في جلسة مجلس الأمن (ليلة الأربعاء الماضي) لجهة طلب قوات دولية، ولكن التخريجة ذاتها تؤدي الغرض نفسه الذي يخدم تفرغ «إسرائيل» لمهامها الإقليمية والدولية الجديدة دون منغصات في المحيط وعلى الحدود، أي نشر قوات- ربما بقيادة تركية وتجهيزات ومراصد أمريكية- تتولى قمع الفلسطينيين، كما كان الحال مع الشرطة الفلسطينية منذ أوسلو وحتى يومنا هذا (كما يجري حالياً في الضفة الغربية بذريعة الاتفاقيات والمعاهدات، وكذلك في مصر/مبارك).

***
وبينما تنبهت فصائل المقاومة الفلسطينية مباشرة، ولم تبلع الطعم، رغم إشادتها به سياسياً، فإن النظام المصري يعد الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، وهو الذي يفقد بفعل موقفه المتخاذل المتواطئ آخر أوراقه الإقليمية المتمثلة بالتأثير في الوضع في غزة، بعدما أفقده القصف الإسرائيلي على حدود مصر في رفح مفاهيم الحفاظ على السيادة الوطنية وأمن مواطنيه (الممنوعين من التظاهر والتعاطف مع أهل غزة) وعدم قدرة طيرانه على التحليق في سماء سيناء كشرط من «كامب ديفيد»، وتراه بات يستجدي أن يعاد تنصيبه، رائداً في العالم العربي، فقط عبر قوة لسان رايس في جلسة مجلس الأمن!

***
على صعيد مواز، وإذا كان العرف الدبلوماسي يوحي بوجوب أن تقف رئاسة القمة العربية على مسافة واحدة من جميع الأطراف العربية، فإن ما لا يقتضيه الإجرام الإسرائيلي هو التأخر بالفعل المباشر ومنح المواقف للآخرين، حتى ولو كانت كتابة البيان الذي تلاه حمد متلعثماً دون أن يعرف معنى مصطلح «أثر رجعي» مثلاً. والمحصلة أنه بدل أن تكون سورية القبلة، بما تحمله من موروث ومشروع، تتواصل المحاولات الخارجية لتقزيم الوزن النوعي لسورية على حساب التعظيم المصطنع للدور التركي والقطري (المستقوي فقط بقناة الجزيرة الفضائية).

***
إن الحسم في الميدان، والمطلوب هو السعي للتخفيف عن غزة بتصعيد منسوب المقاومة والممانعة (ومن هنا ربما تندرج الرحلة المكوكية التي قام بها سعيد جليلي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في دمشق وبيروت)، في حين سارع ساركوزي للقول من دمشق أيضاً «إن لا حل عسكرياً للصراع» في وقت تثبت فيه الحياة وتاريخ الصراع مع العدو الصهيوني أن لا حل إلا عسكرياً له، عبر امتلاك الإرادة وذات مفردات الرؤية التي استخدمها «حمد» ولكن مع توظيفها وتعزيزها بالممارسة. وبدون ذلك سيبقى الفلسطينيون الضحية الأكبر حالياً ولكن لن يكونوا وحيدين لاحقاً إن تمت خسارة المعركة في غزة (بمعنى السقوط)، أو لم يجر التثمير السياسي لانتصارها (بمعنى الصمود) وتثبيت إفلاس بنك «أولمرت أخوان» من شاكلة مبارك وعبد الله× 2، وحمد وأردوغان وبوش وأوباما وساركوزي وكل المستثمرين الدوليين الرأسماليين فيه على حساب أطفال فلسطين!

معلومات إضافية

العدد رقم:
386
آخر تعديل على الجمعة, 16 كانون1/ديسمبر 2016 16:42