بيان من راضية النصراوي!!

المناضلة التونسية والحقوقية البارزة راضية نصراوي، بعثت برسالتها هذه إلى صحيفة «قاسيون»، وإلى جميع القوى الوطنية والتحررية في العالم، بعد أن أنهت الإضراب عن الطعام الذي نفذته احتجاجاً على عمليات القمع و الاستبداد في بلدها تونس، وذلك ودفاعاً عن كرامتها «كمواطنة وكمحامية»:

استجابة لندائكم الودي والحار، قررت اليوم 10 ديسمبر 2003 المناسب للذكرى الخامسة والخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إنهاء الإضراب عن الطعام الذي كنت بدأته يوم 15 أكتوبر الماضي «دفاعا عن كرامتي كمواطنة ومحامية». وإنها لفرصة حتى أشكركم جميعا، أيتها الصديقات والأصدقاء، سواء كنتم في تونس أو في الخارج، لأنكم كنتم خلال هذه الأيام السبعة والخمسين التي رافقتموني فيها، سندي القوي.

لقد خضنا في الواقع معا معركة، حتى وإن كانت صغيرة، تمكنا خلالها من مزيد تعرية الوجه الكريه والصلف للدكتاتورية البوليسية التي تحكم بلادنا وتحرم التونسيات والتونسيين من أبسط حقوقهم وتجرم كل محاولة يقومون بها لممارسة هذه الحقوق.

إن الإضراب عن الطعام هو عمل احتجاجي فردي لا يمكن بالتالي أن يقلب الأوضاع. أما التغيير فيبقى ثمرة نضالات وجهود جماعية، وعلينا أن ندرك ذلك. وإذ أصبحت الإضرابات عن الطعام ظاهرة متواترة في تونس، فيمكن تفسيرها بغياب الحريات، وهو ما يدفع ضحايا الظلم والاضطهاد إلى تعريض حياتهم للخطر في سبيل أبسط المطالب أحيانا. ولكن هذا يعتبر أيضا من ضعفنا نحن، ضعف القوى الديمقراطية والتقدمية التي لا تقدر على تعبئة الشعب حتى يتصدى بنفسه للظلم والاستغلال والفساد والمهانة ويضع حدا لحكم الديكتاتورية ويرسي نظاما ديمقراطيا يضمن الحرية والمساواة ويحقق العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية. وهو أمر بات من المتأكد التفكير فيه حتى نخرج بلادنا ومجتمعنا مما هما فيه.

إن حكم بن علي الفردي لا ينتظر منه شيء. وواهم من يعتقد في غير ذلك. لقد رأيتم خلال هذا الإضراب كيف لازمت السلطات الصمت لمدة طويلة وحين تكلمتْ فَلِتَكْذِب وتغالط وتنكر كل شيء. وقد اكتفى ممثلها في مرة أولى بأن اعترف لي وللتونسيين بالحق في حرية واحدة وهي «حرية الموت». وفي مرة ثانية لم يجد ممثلها الآخر من جواب يرد به على مطالبي سوى الادعاء بأنني «مجنونة». ولم يكن يدري السيدان رضا خماخم وحاتم بن سالم اللذان لم يتكلما إلا لوسائل الإعلام الأجنبية محتقرين الرأي العام في تونس بأنهما بكلامهما ذاك قدّما شهادة أخرى على الطابع الدكتاتوري والبوليسي لنظام بن علي الذي يخدمانه. فالأنظمة الدكتاتورية والفاشستية هي وحدها التي لا تعترف لمواطنيها بغير «الحق في حرية الموت» وتعتبر كل معارضة أو نقد لها «جنونا».

ولا شك أنكم استمعتم خلال هذا الإضراب إلى ما قاله الرئيس الفرنسي جاك شيراك من كلام حول حقوق الإنسان بمناسبة زيارته لتونس مؤداه أن الحرية والكرامة بالنسبة إلى شعبنا من باب الكماليات و عليه أن يقنع بالأكل والعلاج والتعليم. وهذا الكلام يرتكز في رأيي على منطق عنصري واستعماري مرفوض. كما أنكم اطلعتم على ما نقلته وسائل الإعلام التونسية من تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي كولن باول يمجد فيها الدكتاتورية البوليسية في بلادنا. وكل هذا يكشف أن ما يحرك الحكومتين الفرنسية والأمريكية هو مصالح دولتيهما الاستعمارية وليس مصالح الشعب التونسي الذي يطمح إلى الحرية والديمقراطية والعيش الكريم.

وخلاصة القول إن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان تبقى مكسبا يحققه شعب حر ومستقل بنفسه ولنفسه. وإذا كان لنا ولشعبنا من أصدقاء في الخارج فهم الديمقراطيون والتقدميون الذين يتعاطفون حقا مع قضايانا وينددون بمواقف أنظمتهم وحكوماتهم المتواطئة مع الدكتاتورية البوليسية في بلادنا، وهم كثر من حسن حظنا.

وفي الختام، فإذ يتوجه تفكيري في هذه اللحظة وفي هذا اليوم بالذات إلى مئات سجناء الرأي الذين يموتون ببطء في زنزانات بن علي وآلاف قدماء المساجين المحرومين وعائلاتهم من أبسط حقوقهم بما فيها حقهم في الشغل والعلاج، وكافة المغتربين، فإنني أعدكم بأن أسخر ما تبقى لي من طاقة وجهد وعمر لمواصلة النضال معكم من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة التامة، خاصة بين الجنسين، والعدالة الاجتماعية وبشكل مباشر من أجل العفو التشريعي العام واحترام الحريات الفردية والعامة وحقوق النساء وسد الطريق أمام رئاسة بن علي مدى الحياة.

أجدد لكم شكري وعرفاني وأشد على أياديكم بكل حرارة.

وإلى جولة أخرى من النضال.

10 ديسمبر 2003

 

■ راضية النصراوي