لبنان.. الخاصرة التي ما تزال نازفة

يمر لبنان في هذه الآونة، بمرحلة دقيقة للغاية قد تكون هي الأكثر تعقيداً وحساسية منذ الاستقلال، مرحلة مفتوحة على جميع الاحتمالات المتشعبة لدرجة التناقض، اللاعب الأساسي فيها للأسف، ليس اللبنانيين والقوى والتيارات والأحزاب والتحالفات السياسية اللبنانية، وإن كان ما يزال لهم ولخياراتهم الدور الأكبر والأشد تأثيراً فيها، فيما لو اتفقوا على بعض الثوابت، وإنما القوى الخارجية سواء تلك التي تعمل جهاراً نهاراً كمجلس الأمن والمتسلطين عليه: صقور البيت الأبيض، والدبلوماسية الأوربية وتحديداً الفرنسية، أو قوى الظل الخفية التي تسيرها إما الأجهزة الاستخباراتية ومنها ال cia  والموساد، أو المافيات المالية والرأسمالية المعولمة.

وتبعاً لما تبينه الأحداث المتلاحقة بشكل متسارع ويومي، فإن التحالفات «المؤقتة» التي تشكلت بين مختلف القوى السياسية بعيد اغتيال الرئيس الحريري، سواء تلك التي سميت بقوى الرابع عشر من آذار، أو التحالفات التي خلقتها ظروف الانتخابات النيابية كالتحالف الرباعي، قد بدأت بالتداعي والتزعزع تحت ضربات التباينات التاريخية أو الاستراتيجية أو المنهجية أو المرجعية بين كل منها، وظهور الاختلافات الجوهرية فيما يتعلق بحاضر ومستقبل لبنان وعلاقته مع محيطه العربي ومع الغرب، واستفحال المشكلات والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية في بلد ما يزال عدد كبير من قضاياه المصيرية غير محسوم..

فمع وصول الأمور إلى ما وصلت إليه مع مجلس الأمن ولجنة التحقيق الدولية المنبثقة عنه، وما رافق ذلك من سعي حثيث ومتواصل وضغط شديد متعدد الأطراف والأهداف على اللجنة لإدانة سورية والقوى الجدية المتحالفة معها استراتيجياً وتحميلهما المسؤولية المادية والمعنوية لجملة الاغتيالات والحوادث الأمنية التي جرت في لبنان طوال عام عبر توجيه الاتهامات المباشرة غير المثبتة، ومع الازدياد المستمر لتدخل بعض السفارات الغربية والعربية في السياسة والسيادة اللبنانية، ومع تواصل الشحن السياسي والإعلامي ضد سورية دولة وجيشاً وشعباً وعلاقات تاريخية مع لبنان، نتيجة كل ذلك، أخذت الهوة بالاتساع بين بعض المتحالفين، وراحت الساحة السياسية تشهد كثيراً من المناكفات، وجاءت مسألة تشكيل المحكمة الدولية التي دعا إليها بعض الفرقاء الذين يشكلون ما يعرف بـ«الأكثرية النيابية» لتكون «القشة التي قصمت ظهر البعير»، حيث ظهر على السطح، ولأول مرة ربما بشكل رسمي ومعلن، حجم التباين والاختلاف بين بعض الحلفاء.

التحالف الرباعي

التحالف الرباعي الذي تشكل إبان الانتخابات النيابية الأخيرة بين كل من حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، مرشح الآن ليكون حلفين ثنائيين، حزب الله وحركة أمل من جهة وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة أخرى، وهذا التحالف كان عملياً يتلقى العديد من الضربات الموجعة بفعل التباين المستمر في مواقف العناصر المكونة له سواء فيما يتعلق بالشؤون الداخلية.. الموقف من رئيس الجمهورية، الموقف من توجهات لجنة ميليس، وأخيراً وليس آخراً الموقف من المحكمة الدولية، وغيرها.. أو فيما يتعلق بالشؤون الخارجية، وتحديداً الموقف من العلاقة مع سورية وتقييم دورها في لبنان ومع بعض الدول العظمى التي تقوم بفرض «الوصائية الجديدة» على الحياة السياسية اللبنانية وعلى اللبنانيين بشكل عام.

فبينما كان حزب الله وحركة أمل يصران على إبقاء البحث في جميع القضايا تحت المظلة اللبنانية، وبذلا في هذا الاتجاه جهوداً كبيرة، وحاولا بقدر ما سمحت الظروف استيعاب الغلواء العاطفية «الجريحة» لتيار المستقبل، واحتواء التطرف الكبير في مواقف «التقدمي» وخاصة تجاه سورية، كانت قيادة كل من تيار المستقبل والتقدمي تنجرف أكثر نحو المشروع الأمريكي ومناصريه اللبنانيين، ولم تتخلص من اللهجة المتشنجة والعدائية تجاه كل من يخالفها الرأي، كما أنها لم تظهر موقفاً حاسماً تجاه التهديدات التي يطلقها حلفاؤها الدوليون، بالإضافة إلى العدو الصهيوني، تجاه المقاومة وسلاحها.

 ولا ننسى في هذا السياق أنه كان هناك، طوال الوقت، من يعمل على زعزعة هذا التحالف وتسريع عملية خلق وتعميق الشروخ فيه بالانطلاق من نظرية أنه «لا يوجد في لبنان تحالف يعمّر طويلاً». وفي الحقيقة فإن من يقوم بدور صمام الأمان الفعلي في استمرار قيام هذا التحالف حتى الآن هو الخوف من الوصول إلى نقطة لا يبقى فيها فرصة للحوار..

التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية

أحدثت عودة الجنرال ميشيل عون إلى لبنان ارتباكاً في صفوف بعض القوى السياسية التي كانت تفترض نفسها الممثل الشرعي والوحيد «للمسيحيين»، ورغم أن أنصار الجنرال كانوا في صدارة المعتصمين في ساحة الشهداء بعد اغتيال الحريري مستغلين «الفرصة التاريخية» للمطالبة بعودة زعيمهم من المنفى، ولعبوا في هذا الاتجاه دوراً بارزاً في إظهار «قوة» ما كان يعرف حينها بـ«المعارضة» التي راحت تطالب بخروج القوات السورية من لبنان، والثأر من قتلة الحريري، وعودة المنفيين والمبعدين، وإسقاط الحكومة، إلا أنهم في النهاية وجدوا أنفسهم في حالة صدام مع بقية قوى المعارضة التي حاولت الاستئثار بكل المكاسب، وجاءت الانتخابات النيابية لتكرس هذا الصدام، حيث أصر الجنرال العائد من فرنسا على خوض السباق النيابي ضد معظم هذه القوى، وفي الحقيقة فقد استطاع أن يلحق بها بعض الهزائم القاسية في أكثر من دائرة، لكنه في المقابل لم يظفر بما كان يأمله لا على صعيد الحضور البرلماني ولا على صعيد التمثيل الحكومي فيما بعد، حيث تحول إلى معارض لحكومة المعارضة.

وبالمقابل فإن الأطراف الأخرى والتي تعد بشكل أو بآخر فريقاً واحداً والمتمثلة بعدة قوى من أصل وانتماء ورؤية وتوجه يكاد يكون واحداً مع الجنرال عون، على الرغم مما أحدثه عقد التسعينات من القرن الماضي من بعض التمايزات: القوات اللبنانية وحزب الكتائب ولقاء قرنة شهوان، هذا الفريق ربما سعى في البداية لعقد تحالف مع تيار عون للاستفادة ما أمكن من حضوره بين الشباب في المنطقة الشرقية وللظهور بشكل يذكر بمرحلة ما قبل الحرب الأهلية، أي «الطائفة المتراصة» أمام الأطراف الأخرى، وخصوصاً حزب الله، ولكن اختلاف الرؤى والمصالح، واعتداد الجنرال بنفسه وحقده على بعض الشخصيات التي كانت، من وجهة نظره متصالحة، أو مهادنة للوجود السوري ولتمادي «الطوائف الأخرى» في حصد الثروات والمكاسب الاقتصادية والسياسية، كل ذلك حال دون قيام هكذا تحالف، الأمر الذي أدى إلى بحث كل من الفريقين عن حلفاء آخرين، أو تعزيز التحالفات القائمة لدى كل منهما أصلاً، على الأساس التاريخي لهذه التحالفات، أي أساس الإقطاع السياسي – العشائري بغض النظر عن اختلاف المذاهب، المهم هو وحدة المصالح..

من هنا أخذت الصراعات السياسية بين الفريقين  وحلفائهما تشتد، وتترافق بكيل الاتهامات، وخصوصاً في الفترة الأخيرة، وبدأت المواقف تتباين حول المسائل والقضايا الأساسية، وبدا أن موقف «التيار الوطني» قد أخذ يميل إلى الواقعية، وتحديداً فيما يتعلق بالاتهامات السريعة التي يطلقها ما يسمون بـ«الأكثرية النيابية» ضد سورية.

أكثرية نيابية وحكومية.. وأقلية شعبية!

الظروف الخاصة جداً التي جرت فيها الانتخابات النيابية اللبنانية، والتحالفات التكتيكية التي طبعتها، جعلت ممثلي بعض قوى الرابع عشر من آذار تنال الأكثرية النيابية معتمدة على قانون انتخابات 2000 السيئ الصيت، لتتمكن بالتالي من تشكيل «حكومتها» التي ما من مسؤوليات تقع على عاتقها، من وجهة نظرها طبعاً، سوى معرفة «الحقيقة» والتخلص من بقايا «النظام الأمني» السابق، ومعاقبة كل من تجده يرتبط بعلاقة مع سورية باعتبارها «دولة وصاية»، وبذلك فهي تعد نفسها غير مطالبة أمام الشعب اللبناني بأي خطط أو برامج لمعالجة القضايا المصيرية الملحة: الدين العام الثقيل، البطالة الهائلة، الاقتصاد الهش، الأمن، تحرير ما تبقى من أراضٍ محتلة، معالجة الفساد المالي والسياسي والتشريعي والقضائي.. إلخ.

والغريب في الأمر أن هذه القوى، وهي تحكم الخناق عل كل مكونات السلطة، ما تزال تعتبر نفسها «قوى المعارضة» فهي في آن واحد الخصم والحكم، تتنصل من مسؤولياتها وتحمّل المسؤولية لمن تشاء من القوى والاتجاهات والتيارات الأخرى عند أي اختراق أمني أو سياسي، وتعترض وتتهجم على أي رأي مخالف لها فيما يخص توجهاتها «الحكيمة» وتعتبره تدخلاً سافراً في شؤون الحكومة!!

ويأتي في مقدمة وجهاء الحكومة والبرلمان في هذا السياق النائب وليد جنبلاط، والنائب سعد الحريري، والعديد من النواب في تيار المستقبل والحزب التقدمي، كذلك نواب الكتائب وقرنة شهوان والقوات اللبنانية، وبعض الوزراء، أما رئيس الحكومة فما هو إلا المنفذ الرسمي للتوجه السياسي الذي يقرره قادة تلك القوى المجتمعة..

ومما لاشك فيه أن هؤلاء لا يمثلون أكثرية الشعب اللبناني سواء سياسياً أو جماهيرياً أو حتى طائفياً، ومع ذلك فهم لا يتورعون عن الادعاء دوماً وخصوصاً على المنابر الإعلامية التي يمتلكون معظمها، بأنهم لسان حال كل اللبنانيين على اختلاف أهوائهم ومشاربهم، مدعومين في ذلك من جهات دولية وعربية متعددة الأغراض والأهداف والمصالح المعادية للشعب اللبناني ولمقاومته الباسلة التي ما انفكت تنزل الهزائم بالعدو الصهيوني.

رئيس الجمهورية..

البعض يرى أن الأزمة اللبنانية الحالية قد بدأت مع التمديد لرئيس الجمهورية إميل لحود، وهذا وإن يكن قد ساهم في تفجر هذه الأزمة إلا أنه لم يكن السبب الحقيقي لها، فالأيدي الخارجية، الأوربية والأمريكية، كانت تتحفز لإشعال الساحة اللبنانية وتغيير التوازنات القائمة فيها منذ مطلع الألفية، وكانت المسألة مسألة وقت، ولم تكن حجة التمديد سوى ذريعة للبدء بالهجوم، ومع ذلك فإن مشكلة بقاء الرئيس في منصبه حتى نهاية فترة التمديد ما تزال إحدى المشاكل العالقة، فبينما تحاول الأكثرية النيابية عزله أو إسقاطه من خلال الشارع، تأخذ بعض القوى على عاتقها الدفاع عن مقامه من ثلاثة منطلقات مختلفة:

1 -  قوى تدافع عن وجود الرئيس انطلاقاً من احترامها للدستور (حزب الله – حركة أمل..) واحتراماً لشخص الرئيس الذي لم يقصر أبداً في دعم المقاومة، وتعزيز وتثبيت المواقف الوطنية للبنان في محيطه العربي.

2 - قوى تدافع عن موقع الرئاسة باعتباره الموقع الموحد والجامع لكل اللبنانيين في إطار الوحدة الوطنية، بغض النظر عما قد يكون مخبأً خلف ذلك من معاني نبيلة أو غير نبيلة.

3 - قوى تدافع عن هذا الموقع لاعتبارات تكتيكية مثل التيار الوطني الحر وبعض الشخصيات التي تنتظر الظروف المؤاتية لتظفر بهذا الموقع..

سورية ولبنان.. إلى أين؟

 هناك أسئلة بسيطة جداً يجب أن تجد من يسألها اليوم في ظل التدهور المتصاعد بشكل جنوني في العلاقات السورية- اللبنانية؟

من هو صاحب المصلحة الحقيقية في وصول العلاقات اللبنانية السورية إلى هذا المستوى من التردي والتوتر؟

من هو المستفيد من تمزيق البنية الداخلية اللبنانية؟ ومن هو صاحب المصلحة في إعادة اللبنانيين إلى حافة الاقتتال؟ وإلى متى يمكن أن يحتمل اللبنانيون هذه الأوضاع المتوترة سياسياً، المرعبة اجتماعياً، المزرية اقتصادياً؟

إن التدهور المفتعل في العلاقات السورية اللبنانية خلقته قوى وزمر اقتصادية – سياسية، سورية ولبنانية، من النوع الذي يعرف كيف يحقق مكاسب اقتصادية – سياسية في ظل الصراعات الطبقية الملوثة طائفياً، سواء أخذت هذه الصراعات شكلاً عسكرياً تناحرياً أو سياسياً تناكفياً.

إن الكثير من اللبنانيين اللاهثين والمطالبين بمعرفة «الحقيقة»، هم من تلك الزمرة، وهم يحاولون بكل جدية، وعن سبق الإصرار، المتاجرة بدم الحريري لتحصيل ما يمكن تحصيله من مكاسب سياسية ورعائية، وثمة شخصيات من هذه الزمرة باتت «تؤمن» وتروج لمقولة يبدو أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والفرنسية.. والصهيونية هي من قامت بابتداعها، هذه المقولة تدعي: أن الاستقرار في دمشق بات نقيض الاستقرار في لبنان! فأي خطر جسيم يتبدى في هذا النوع من التفكير؟!

يقول الصحفي والمحلل السياسي في جريدة السفير الأستاذ جوزيف سماحة:

«كان لبنان في منطقة اضطراب. يدخل هذه الأيام منطقة عواصف. يتجه نحو منطقة أعاصير.. إن قوى دولية وإقليمية ومحلية فاعلة في تقرير المصير اللبناني تتصرف وفق منطق (خرابوي)..».

نعم إن الامتثال لإرادة بعض الانتهازيين السياسيين المعولمين في لبنان المدعومين من قوى خارجية لا تكف عن بث سمومها الفكرية والسياسية والمالية، لن يؤدي إلا لسلخ لبنان من محيطه وانتمائه العربي، وسوف ينتج عنه في المحصلة تنفيذ الخطط الأمريكية الساعية إلى ضرب المقاومة الوطنية اللبنانية والفكر المقاوم عامة، والسير في مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى نهايته، وصولاً إلى تفتيت بنى المنطقة، دولها ومجتمعاتها، وتنصيب إسرائيل راعياً سياسياً واقتصادياً وفكرياً على الجميع، وهذا ما لن ترضاه جميع القوى الوطنية الحقيقية في لبنان والمنطقة، ولن ترضاه الشعوب مهما كانت التضحيات.

■ محرر الشؤون العربية

  جهاد أسعد محمد

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.