أحداث متقاطعة

سلسلة متكاثفة من الأحداث المنفصلة المتصلة وسمت الأيام القليلة الماضية، منفصلة لجهة قانونياتها الخاصة، ومتصلة لجهة ارتباطاتها المشتركة على خلفية الصراع الكوني الشامل بين مشروع الهيمنة الأمريكية ومقاوماته في بقاع الأرض قاطبة، كل منها بأسلوبها ومقارباتها الخاصة هي الأخرى، بدءاً على سبيل المثال من المحكمة الدولية التي يتوقع إقرارها بعد تحفظات لفظية من جانب روسيا وربما الصين إلى جانب قطر وربما اندونيسيا، وليس انتهاءً -على سيبل المثال أيضاً- بإعلان روسيا إطلاق الجيل الرابع من ترسانة أسلحتها.

فماذا بين هذين الحدين/المثالين؟

تفاقم أزمة الدولار والمديونية الأمريكية: مع استمرار الأفضلية لصالح اليورو في صراعه مع الدولار (قاعدة انطلاق سعر الصرف أصبحت 1,35 دولار مقابل اليورو الواحد)، تواصل الصين ضغطها على العملة الأمريكية من خلال مواصلتها شراء سندات خزينة أمريكية لقاء ديونها التجارية المستحقة على الولايات المتحدة التي لم تُجد رئيسها نفعاً مطالباته بكين بخفض سعر صرف اليوان من أجل تقليص قيمة سندات الدين ومحاولة حماية الدولار المأزوم، والذي يزيد من أزمته حالياً ارتفاع سعر برميل النفط إلى حدود 80 دولار قبل استكمال واشنطن طوقها العسكري على منابع النفط في المنطقة من أجل التحكم النهائي بتسعيره في وجه المنافسين، وترشحه للارتفاع أكثر بالتزامن مع «موسم الأعاصير الأمريكية». ويفاقم من أزمة الدولار قيام الكويت بفك ارتباط دينارها به، واعتماد سلة عملات عوضاً عن ذلك، وهي التي تتحسس عمق أزمته وتتخوف من انعكاس أي مغامرة عسكرية أمريكية مرتقبة في الخليج ضد إيران عليه، وبالتالي على العملات المرتبطة به (على مبدأ يللي بجيبتك بجيبتي ويللي بجيبتي بجيبتي ولو كنا حلفاء).

تطورات الأوضاع في المنطقة: في مقابل تمكن واشنطن من تفخيخ الأوضاع في لبنان (أحداث نهر البارد)، عبر مختلف عملائها من جهة، وسعيها المستمر من جهة ثانية مع حليفتها «إسرائيل» لأن لا تقوم قائمة لأي توافق فلسطيني في ظل المساهمة في انهيار «اتفاق مكة »، واعتمادها كل الأساليب الكفيلة بإفشال حكومة الوحدة الوطنية الحالية بعد محاصرة حكومة حماس وإفشالها بمختلف أشكال الاعتقال والحصار والقتل واستخدام عملاء الداخل، وتمكنها المؤكد من جهة ثالثة من تمرير مشروع قرارها تحت البند السابع الخاص بالمحكمة الدولية استهدافاً لسورية، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام المزيد من الارتباكات الناجمة عن كل هذه الملفات، إلى جانب ملفين لا يقلان أهمية، أحدهما العراق الذي تتكبد فيه قواتها خسائر فادحة متلاحقة بضربات المقاومين (الذين ينفي غالبيتهم الانضمام لمباحثات العملية السياسية في ظل الاحتلال)، وثانيهما ملف ضرب إيران الذي اُستكملت كل الاستعدادات العسكرية، ولكن ليس كل الاستعدادات السياسية لتنفيذه، ولاسيما في ضوء ارتباط ذلك بتطورات الوضع الميداني في العراق (المحادثات الإيرانية الأمريكية)، والمنطقة، ومع روسيا والصين، وحتى أجزاء من الحلفاء الأوربيين. وهنا فإن واشنطن تواجه معضلة حقيقية: فهي التي حشدت قرابة ثلثي قواتها الحربية البحرية الأساسية في منطقة الخليج (خمس حاملات طائرات متطورة من أصل تسع تمتلكها)، إن ضربت إيران لديها مشكلة تهدد إمكانياتها العسكرية المتهالكة، ودولارها المأزوم، وكل الخطوات المنجزة حتى الآن من مشروعها في المنطقة، وإن لم تضرب لديها مشكلة تنامي الدور الإيراني وامتلاكه الورقة النووية بما يمرغ أنف صقور واشنطن وتل أبيب بعد كل الاستعراض الذي مارسوه خلال المرحلة الماضية بخصوص وقف الملف النووي الإيراني.

التطورات على الساحة الروسية: ربما كانت آخر هذه التطورات تعد أكبر مصدر أرق للنخبة السياسية الحاكمة في واشنطن بشقيها الجمهوري والديمقراطي، وبمجمعها الصناعي العسكري واحتكارات النفط والاتصالات فيها. فحتى قبل نزع فتيل الأزمة الأوكرانية التي تمثل عملياً صراعاً أمريكياً مع موسكو على أرض ثالثة، تمكنت روسيا من سداد ديونها الخارجية من خلال فوائض النفط، وبدأت بشراء شركات أوربية خاسرة مثل إليطاليا وشركة الخطوط الجوية الصربية مستفيدة من الفضاء الأوربي المفتوح وعمليات الشراكة والاندماج المعتمدة. ورافق ذلك إعلان روسي حول اندفاعة عسكرية واتصالاتية جديدة تتمثل في إطلاق الجيل الرابع من الأسلحة المتطورة المرتبطة بالأقمار الصناعية، والجيل الثالث من الهواتف النقالة المرتبطة بتلك الأقمار، وجميعها روسية الصنع وذات دقة عالية في الصوت والصورة، إلى جانب الإعلان عن قرب إطلاق نسخة روسية مجانية من النظام الشامل لتحديد المواقع Global Positioning System. وقد تحول هذا الزخم إلى ورقة قوية بيد الرئيس بوتين، سمحت له بتكرار مهاجمة الدرع الصاروخي الأمريكي، والتأكيد على استنتاجات سابقة من جانب خبراء استراتيجيين روس ودوليين بأنه يستهدف روسيا بالدرجة الأولى، لما تمثله من ثقل جيو-استراتيجي، وسكاني وعسكري في مقابل النفوذ الأمريكي المتنامي.

استنتاجات أولية: بالعودة إلى منطق الأحداث المتقاطعة، وفيما لم تتضح بعد معالم الصفقة بين الجمهوريين والديمقراطيين بخصوص ثمن سحب الطرف الثاني لشرطه ربط تمويل القوات الأمريكية بجدولة الانسحاب من العراق، فإن الثابت في العلاقة بين الطرفين المتنافسين في الشكلانية الحزبية لا أكثر، هو وجود رابط من «سباق تتابع» بينهما، حيث يكمل اللاحق من حيث انتهى السابق. وبوصفهما المعبرين السياسيين عن مصالح الاحتكارات الأمريكية المأزومة، فإنهما محكومان بتنفيذ مهمة توسيع رقعة الحروب متوسطة أو مرتفعة الشدة واختلاق مسوغات ذلك ببراغماتية «مشهود لها» دولياً ومختبرة عربياً عبر التاريخ القريب. فإن لم تسمح لهم ظروف معينة بشنها في مكان ما، فيجري تحويلها لمكان آخر «بلقمة أكبر أو أصغر»، ليبقى السؤال يتعلق بطبيعة جائزة الترضية التي ستقدم للسابق كي لا يخرج مهزوماً كلياً حسب منطق الشكلانية السياسية ذاتها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آخر تعديل على الإثنين, 14 تشرين2/نوفمبر 2016 13:09