الكهرباء تصدر فواتير الدورة الثالثة... صمٌّ بكمٌ عميٌ
فرح شرف فرح شرف

الكهرباء تصدر فواتير الدورة الثالثة... صمٌّ بكمٌ عميٌ

أصدرت الشركة العامة لكهرباء دمشق، في 19 تموز، فواتير الدورة الثالثة لعام 2026، مرفقة بنداء رسمي يحث المواطنين على المسارعة في التسديد «تجنباً لتراكم الذمم المالية والغرامات».

ولا يمكن النظر إلى هذا النداء، في ظل التسعيرة الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ مطلع تشرين الثاني 2025، على أنه مجرد إجراء إداري روتيني؛ فقد تحولت الفواتير إلى صدمة مالية طالت شريحة عريضة من السوريين، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية يومياً.


احتجاجات متصاعدة وغياب للاستجابة


لم تبقَ ردود الفعل حبيسة الشكاوى الفردية؛ فشهدت عدة مدن، بما فيها دمشق، مظاهرات واحتجاجات خلال النصف الأول من العام، عكست الغضب الاجتماعي المتراكم.
ومع ذلك لم تتراجع الجهات الرسمية عن سياساتها، بل وأصرت على موقفها، واكتفت بتكرار التبريرات التقنية من دون أي حوار جاد مع الشارع.
وهذا الموقف المتصلّب، في مواجهة غضب عارم وواقع معيشي يئن تحت الفقر والبطالة، يعمق الإحساس بوجود قطيعة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، وكأن القرارات تؤخذ في أبراج عاجية لا تُسمع فيها احتجاجات الناس، أو تؤخذ مطالبهم بعين الاعتبار.
وهذه القطيعة بحد ذاتها، توازي في خطورتها الارتفاع في قيمة الفواتير.


عودة التقنين؟!


لم يتوقف الأمر عند ارتفاع الفواتير؛ فبعد فترة من الاستقرار النسبي، عادت ساعات التقنين لتتصاعد مجدداً، بالتزامن مع موجات حر شديدة.
ويطرح هذا التناقض الصارخ بين ارتفاع الفواتير وتدهور الخدمة من جديد سؤالاً محرجاً:
هل سبب التقنين زيادة الاستهلاك أو تراجع الإنتاج فحسب، أم إنه يندرج ضمن سياسة ممنهجة اتبعتها السلطة الساقطة، عبر آلية خفض ساعات الوصل بحجة التخفيف عن الناس لعجزهم عن السداد، وبالتالي امتصاص جزء من الاستياء الشعبي؟
ومهما كان الجواب، فإن الواقع يبقى نفسه؛ المواطن يدفع أكثر، ليحصل على خدمة أقل!


الهدر المخفي الذي يتحمله المواطن


المفارقة الأسوأ أن الفاقد الفني والتجاري يتجاوز 35% بفعل الهدر والسرقات والتلاعب بالعدادات، إضافة إلى تهالك البنى التحتية، وضعف كفاءة التوزيع.
وهذا الفاقد الضخم، يعني عملياً أن المواطن يدفع ثمناً لكهرباء لم تصل إليه أصلاً؛ فلو تمت معالجة هذا الهدر، لأمكن خفض التكاليف بنسبة تصل إلى 30% من دون أي زيادة على الفواتير.
لكن السياسة المتبعة اختارت الاتجاه المعاكس؛ رفع التسعيرة بشكل غير مسبوق وتحميل المستهلك وحده كلفة العجز الهيكلي، في حين أن أي خطة كان ينبغي أن تبدأ بمعالجة الفاقد وتحسين الشبكة قبل التفكير في جيوب المواطنين.
إذ يبدو أن المواطن هو «الوسيلة الأسهل» لتغطية أي خلل أو هدر، بدلاً من أن يكون محور الاهتمام في أي سياسة خدمية.

قنبلة اجتماعية موقوتة

إن التحذير من أن استمرار تحميل المواطن وحده ثمن كل الأزمات سيحوّل الفواتير إلى
«قنبلة اجتماعية»، ليس ترفاً ولا مبالغة.
ففي بلد يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي، وارتفاع كارثي في معدلات الفقر يتجاوز 90%، ونقص في الخدمات الأساسية، لا تبقى الفواتير مجرد أرقام في حسابات الدولة، بل تتحول إلى صواعق تفجير حقيقية.
والتمسك بقرارات جائرة، وتجاهل صوت الشارع والاعتقاد بأن القدرة على الاحتمال لا نهائية هو رهان خاسر؛ فالتجارب القريبة تعلمنا أن الضغوط حين تتجاوز حدود المنطق، تحول الفواتير من أوراق مالية إلى شرارة غضب لا يمكن احتواؤه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288