أزمة وقود أم أزمة سياسات؟
شهدت محطات الوقود في سورية خلال الأيام الماضية مشاهد مألوفة بطابعها المتأزم، حيث عادت الطوابير الطويلة لتخيم على المشهد اليومي، فيما توزعت المبررات بين تخفيض الأسعار وزيادة الطلب، وسط غياب واضح للرقابة الفاعلة وتراجع دور المؤسسات المعنية في ضبط السوق، ومع استمرار الأزمة يتضح أن المشكلة ليست في «وعي وسلوك المستهلك» بقدر ما هي «خلل هيكلي» في سياسات التزويد والتسعير والمحاسبة.
بين المبرر الجزئي وغياب الرقابة
الرواية التي سوّقت لتبرير الامتناع عن البيع وتقتير التعبئة تقول إن تخفيض أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 14-20% حمّل المحطات خسائر عن الكميات الباقية لديها والمستجرّة بالسعر المرتفع السابق قبل
التخفيض السعري، وهذا الطرح ربما يحمل مبرراً جزئياً في سياق حساب التكاليف والأرباح في الكازيات، لكنه يصبح فرقعَة إعلامية فارغة حين نتذكّر أن الذريعة نفسها تغيب تماماً عند رفع السعر، حيث تحقق الكازيات أرباحاً إضافية مضمونة لا تقابلها اعتراضات أو إغلاقات أو تقليصاً في طلبات التعبئة.
فالوقائع على الأرض تؤكد أن المشكلة الحقيقية ليست في التسعيرة فقط، بل ربما نقص في الكميات المورّدة، وتقليص طلبات الكازيات، وإدارة مشوهة لعملية التوزيع، مع غياب الرقابة، مما جعل من «تخفيض السعر» شماعة تُعلق عليها الأزمة بينما تُخفى تحتها سوقاً موازية «سوداء» عادت لتبحث لنفسها عن متنفّس جديد على أطرافها.
طوابير تروي قصة نقص حقيقي
مع استمرار الزحام والطوابير على المحطات، لم يعد ممكناً تبرير الأمر بمجرد سلوك المستهلكين، فهذه الذريعة التي تروج لتحميل المواطن المسؤولية، تصطدم بالواقع الملموس «لنقص» المادة، لتستعيد شبكات السوق السوداء حضورها، ولو بشكل نسبي ومحدود، في دلالة واضحة على وجود خلل في التوزيع.
تعقيد الأزمة بدلاً من حلها
إغلاق بعض المحطات التي امتنعت عن البيع زاد من تعقيد المشهد، إذ حوّل الضغط إلى محطات أخرى، مما ضاعف المعاناة وزاد من عمر الطوابير وساعات الانتظار. إن معالجة المخالفات يجب أن تكون رادعة ومؤثرة في آنٍ معاً، وليس بالإغلاق الذي ينقل الأزمة مكانياً دون حلها جذرياً، بل عبر ضبط المخالفات بأشكالها كافة، ومحاسبة المقصرين، دون أن يتحمل المواطن تبعات تقاعس الجهات الرسمية.
تداعيات تطال الجميع
انعكست أزمة الوقود بشكل مباشر على حياة المواطنين، فإلى جانب الانتظار لساعات طويلة في طوابير التعبئة، تأثر قطاع الأعمال بصورة واضحة، حيث عمد الكثيرون إلى تعديل جداول أعمالهم أو تعطيلها بسبب نقص البنزين والمازوت، في ترجمة يومية لتداعيات القرارات المتخبطة، التي تضع المواطن المفقر في مواجهة مباشرة مع أزمة تتفاقم يوماً بعد يوم.
أين الدولة من دورها؟
على الجهات الرسمية أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، فوزارة الطاقة مطالبة بتوضيح آليات التسعير وضمان انسيابية الكمّيات الموردة بما يغطي الطلب، وكيفية احتساب هوامش الربح أو الخسارة للكازيات عند أي تعديل سعري، بما يحقق الشفافية ويخرج الجميع من دوّامة الاتهامات والذرائع المتبادلة.
أما وزارة الاقتصاد والصناعة، وعبر جهاز حماية المستهلك، فمسؤوليتها تقتضي محاسبة المخالفين وضبط الامتناع عن البيع والتلاعب في الكيل والسعر، بشكل فعال وجدّي وليس بالوعود، بل يُترجم إلى إجراءات ملموسة تحمي المواطن وتضمن استقرار السوق دون أن تُدفع الفاتورة من قوت المفقرين ووقتهم.
ما يجري اليوم مرآة تعكس أزمة سياسات وأزمة ثقة، فغياب التخطيط وسوء التوزيع وتراجع الرقابة، هي العناوين الحقيقية لهذه المعاناة اليومية، التي تتحول معها محطات الوقود إلى مسرح يكرر سيناريو الأزمة ذاته.
فمشهد الشاب الذي يدفع سيارته المعطّلة بعد نفاد البنزين في منتصف
الطابور، والموظف الذي يصل متأخراً بعد ساعات من الانتظار، والمريض الذي يفوته موعد علاجه، جميعها وجوه لأزمة لا تُحل بتصريحات متضاربة ولا بإجراءات ترقيعيه. فإما أن تتحمل الجهات الرسمية مسؤوليتها وتقدم حلولاً جذرية ومستدامة مترافقة مع الشفافية والمحاسبة، وإلا سيبقى المواطن رهينة طابور لا يُرى له آخر، وشبكات سوق سوداء تتحيّن الفرصة لاستعادة دورها المشبوه في تعزيز الأزمة ولتتكسب عليها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1285
رشا عيد