الماء الملوث يضرب صحة السوريين والتهاب الكبد الوبائي مجرد إنذار
يطفو التهاب الكبد الوبائي على السطح كلما اشتد الحر، ليزيد من الألم والمعاناة؛ حيث يتنقل من محافظة إلى أخرى في غضون أشهر، فمن درعا إلى دير الزور وحمص، تعاني البلاد المأساة ذاتها؛ اختلاط مياه الشرب بالصرف الصحي، وتسرب القاذورات إلى أجساد المواطنين.
وفي الوقت الذي تتابع فيه وزارة الصحة الأرقام والتوزع الزمني والجغرافي للإصابات، تظل الحقيقة الصادمة في أعماق الأرض؛ شبكات مياه متهالكة، وأنابيب صرف صحي تتداعى، ومواطنون يضطرون لشرب السموم بحثاً عن الماء.
تلكلخ... مياه نظيفة وشبكات معطلة
أعلنت مديرية صحة حمص في تصريح «للإخبارية السورية» في 17 حزيران أن مياه نبع الزارة في تلكلخ «غير صالحة للاستخدام»، بينما شبكة المياه العمومية «نظيفة ومعقمة»، ودعت الأهالي إلى الامتناع عن شرب المياه من النبع.
لكن لجوء الأهالي إلى نبع ملوث سببه الأساس هو جفاف الشبكة؛ فالمياه لا تصل، وكميات الضخ لا تكفي الاحتياجات التي تشهد ارتفاعاً في الصيف.
فقد سُجل في نيسان الماضي 40 حالة في تلكلخ وحدها، تلتها 35 حالة في شهر أيار، بالإضافة إلى خمس حالات جديدة حتى منتصف حزيران، ورغم تراجع الأعداد إلا أن الكارثة لم تنتهِ! فهذا التراجع المؤقت ليس نصراً، بل ربما مجرد هدنة قصيرة قبل الموجة القادمة، طالما أن الجذور لم تُقتلع.
أين المسؤولية؟
وزارة الصحة تؤدي دورها، أو ما تبقى منه، عبر حملات التوعية وتوزيع أقراص الكلور. لكن من يسائل وزارة الموارد المائية؟ ومن يحاسب المؤسسة العامة لمياه الشرب؟
المشكلة ليست طبية بحتة، فهناك انهيار شامل في البنية التحتية، وغياب للتنسيق بين الوزارات والجهات المسؤولة. وكأن الجميع يمرر الكرة للآخر، بينما يظلَم المواطن في المنتصف؛ ينتظر ماء نظيفاً لا يأتي، أو وعياً صحياً لا ينفع أمام واقع صرف صحي مزرٍ.
فكل تفشٍّ جديد لالتهاب الكبد الوبائي، وغيره من الأمراض التي يسببها التلوث، هو صفعة وإعلان فشل في إدارة الدولة لأهم احتياجات الناس. فاستمرار تدهور شبكات المياه والصرف الصحي أصبح جريمة بحق الصحة العامة، وتهديداً مباشراً للحياة.
أما إنكار ذلك، أو التهوين من خطورته، فهو إمعان في حرمان السوريين من أبسط حقوقهم.
خسائر قطاع المياه
تُقدر خسائر قطاع المياه بسبب الحرب بأكثر من 200 مليار دولار؛ وتعتمد الجهات المعنية – على ما يبدو – على منحة البنك الدولي لإعادة تأهيل قطاع المياه والبالغة 225 مليون دولار، أي ما نسبته 0.1% فقط من حجم الخسائر، بالإضافة إلى مساعدات متفرقة وشحيحة من بعض المنظمات.
إلا أن الرهان على المساعدات الخارجية لحل أزمة المياه هو رهان خاسر؛ فملف المياه ليس مجرد ملف خدمي، بل قضية سيادة وطنية وأمن قومي. والاستمرار في سياسة الاعتماد على جهات خارجية لتمويل مشاريع المياه والصرف الصحي، يحمل في طياته مخاطر لا تقل خطورة عن تلوث المياه نفسه، ولا سيما أن جذور المشكلة أعمق من أن تصل إليها أموال المساعدات المشروطة.
والمخرج الوحيد من هذه المأساة المتكررة لا يكمن في انتظار منحة جديدة، بل في إعادة توجيه أولويات الإنفاق نحو الاستثمار الجاد في البنية التحتية. فكل دولار يُستثمر في شبكات المياه اليوم، يوفر عشرات الدولارات في تكاليف العلاج والخسائر الإنتاجية غداً.
وكل قرار ببناء محطة معالجة صرف صحي، هو قرار بإنقاذ آلاف الأرواح من العذاب الوبائي المتكرر. أما التسويف، والاتكال على الخارج، والترقيع المؤقت، فهو الطريق الأقصر نحو مزيد من الضحايا، ومزيد من الفقر، ومزيد من فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1285
نور الإبراهيم