إشكاليات هيكلية في قطاع النقل البري والتبادل التجاري... وخسائر!
رشا عيد رشا عيد

إشكاليات هيكلية في قطاع النقل البري والتبادل التجاري... وخسائر!

تقف برادات نقل الخضار والفواكه السورية اليوم رهينة عند معبر نصيب الحدودي، تترقب دورها لمناقلة حمولاتها، في رحلة تحول المنتجات الطازجة إلى بضاعة تالفة، وتحول حلم المزارع في تعويض خسارته إلى كابوس جديد أمام قرارات تصدر بمعزل عن تداعياتها!

ففي 6/2/2026، جاء القرار رقم (31)، الذي قلب الموازين ليمنع دخول الشاحنات غير السورية، وإلزامها «بالمناقلة» داخل الساحات الجمركية الحدودية، رغم «إيجابية» الهدف منه لحماية الأسطول الوطني وإنصاف سائقي الشاحنات الذين وجدوا أنفسهم خارج المنافسة، لكنه كشف عن هشاشة البنية اللوجستية، فتحولت المعابر الحدودية إلى نقاط اختناق لعدم تجهيزها لاستيعاب عمليات المناقلة الواسعة، ما أدى إلى تكدس الشاحنات لأيام وخلق بيئة خصبة للفساد والسمسرة، والأخطر أن القرار أضاف حلقات جديدة لسلسلة التوريد (تفريغ، مناقلة، انتظار، رسوم)، ما ضاعف كلفة النقل.

وفي 12/3/2026، صدر قرار آخر لتنظيم عبور الشاحنات السورية والأردنية بين البلدين «دون مناقلة» وفق مبدأ «التعامل بالمثل» لكن هذه التعديلات المتتالية كشفت عن غياب الرؤية الاستراتيجية، فكل قرار يُصدر لعلاج جزء من المشكلة، ويفتح باباً لتحديات جديدة.
فاليوم، تعلو صرخات الاستغاثة مجدداً معلنة وقوع أضرار لا تطال المصدّرين والسائقين وحدهم بل تمتد إلى المزارعين وعمال التوضيب والنقل والتسويق وسلسلة الإنتاج الزراعي بأكملها!
فجوهر الأزمة في آلية «المناقلة»، حيث تُنقل الحمولة من براد سوري إلى أردني في معبر «جابر»، ثم إلى براد سعودي في معبر «الحديثة»، وذلك لعدم السماح للبرادات السورية بدخول الأراضي السعودية.
هذه العملية، تستغرق مدة لا تقل عن أسبوع إلى حين وصول البراد إلى مقصده، وكان من الممكن أن يصل يومياً ما لا يقل عن 100 براد لولا هذا التأخير، أمام 50 براداً فقط حالياً حسب تصريح عضو لجنة تجار ومصدري الخضار والفواكه «محمد العقاد» لصحيفة «الوطن» بتاريخ 16/6/2026.

والنتيجة، تلف الخضار والفواكه بسبب التأخير وفروقات درجات الحرارة لتعدد عمليات التفريغ وإعادة التحميل والتفتيش، ما يتسبب في تراجع جودتها، وأحياناً تصل إلى مرحلة العطب، ناهيك عن استغلال أصحاب البرادات الأردنية بفرض أجور نقل فلكية قد تتحاوز ثمن البضاعة أحياناً، ليتفاقم الوضع سوءاً بتزامن الموسم الزراعي الأردني والسوري مما يدفع الأردن بالشكل الطبيعي إلى إعطاء الأولوية لتسويق ونقل منتجاته إلى دول الخليج، ما يخلق صعوبات أمام المنتجات السورية في إيجاد وسائل نقل مناسبة، لتتضاعف الخسائر وسط غياب البدائل، خاصة مع استمرار عدم منح الشاحنات السورية تأشيرات دخول إلى السعودية، مما يحرم سورية من الاستفادة الطبيعية من موسمها الزراعي ويؤدي إلى تكدس الشاحنات عند المعابر الحدودية.
تزداد الصورة قتامة مع عدم الاعتراف برخص القيادة السورية في بعض دول الجوار، التي تطالب ببطاقات ليزرية بدلاً من الوثائق الورقية المصدّقة المتداولة، مع استمرار توقف منح أو تجديد الرخص رسمياً.
وعليه، مهما بدت القرارات «تنظيمية» و«داعمة» للوهلة الأولى إلا أنها كشفت عن إشكاليات هيكلية لقطاع متعثر، أساسها تقادم أسطول الشاحنات وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، حيث أوضح مدير تنظيم البضائع في وزارة النقل في تصريح «لسانا» بتاريخ 7 حزيران، أن نحو 75% من الشاحنات العاملة بحاجة إلى استبدال أو تجديد، فيما يصل عمر بعضها إلى أكثر من 30 عاماً، وهذا الواقع يجعل من الصعب تلبية الاشتراطات الفنية لدول الجوار.
أما الضرر الأكبر في هذه المنظومة المعطلّة يطال الحلقة الأضعف «المزارع» الذي يجد في التصدير «فرصة» لتعويض خسارة موسمه المسوّق محلياً، ليفقد حتى هذه الفرصة أو يُضطر لبيع منتجاته بأسعار «بخسة» للمصدّر نتيجة الخسائر التي تكبدها الآخر، وقد تدفعه إلى تقليل نسبة صادراته.

الواقع ينذر بكارثة والمطلوب اليوم تغيير جذري لا حلول ترقيعية، يتطلب تكاتفاً حقيقياً للجهود بين اتحاد المصدرين، ووزارات النقل والزراعة والاقتصاد والصناعة، وهيئة المنافذ، وحتى وزارة الخارجية، فالحلول المستدامة تبدأ بتحديث هذا الأسطول العجوز، وليس بقرارات حماية مؤقتة، إلى التفاوض الجاد لإزالة عقبات «الفيز» السعودية للانتهاء من تأخير المناقلة وتكاليفها المرتفعة، مع تأهيل البنية التحتية في المنافذ لاستيعاب حركة التبادل التجاري بسلاسة.
فإما أن تتحرك الدولة بسرعة لإنقاذ هذا القطاع الحيوي، أو تستمر سلسلة الخسائر، وإهدار عوائد التصدير التي هي اليوم أكثر من مجرد أرقام، إنها قوت آلاف العائلات ومستقبل اقتصاد وطني ينهض من تحت الرماد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1283