المياه تتحول إلى امتياز يُشترى ويقاس بالقدرة على الدفع...!
رهف ونوس رهف ونوس

المياه تتحول إلى امتياز يُشترى ويقاس بالقدرة على الدفع...!

في مشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى في قطاع الكهرباء قبل أشهر، أعلنت المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي ممثلة عن وزارة الطاقة السورية في 14 حزيران، عن توقيع اتفاقية مع شركة العدادات السعودية (SMC) لتوريد وتركيب خمسة ملايين عداد مياه ذكي «مسبق الدفع».

وصفت هذه الخطوة «بالاستراتيجية» نحو تحديث القطاع، كما تهدف تحت عناوين برّاقة إلى «تقليل الفاقد، تحسين الفوترة والتحصيل، تعزيز مراقبة الشبكات واكتشاف الأعطال ومعالجتها»، لكن خلف هذا الاحتفاء الرسمي، تتربّع أسئلة ثقيلة، هل يُعقل أن تنشغل الدولة بتركيب عدادات ذكية بينما تعاني البلاد من شح المياه أصلاً، لتحوّل مياه الشرب من حق أساسي إلى سلعة تُباع وتُشترى «بالدفع المسبق»؟


من خدمة عامة إلى سلعة نقدية


ما يجري في قطاع المياه ليس «إصلاحاً» كما يُسوَّق له، بل هو تحول صريح يعيد تعريف المياه من خدمة عامة إلى «سلعة» تُمنح لمن يستطيع الدفع فقط، فالعداد «مسبق الدفع» لا يمثل مجرد «تحديث تقني»، بل يعكس فلسفة كاملة في التعامل مع المواطن (ادفع أولاً، ثم استهلك)، وعندما ينتهي الرصيد، تموت عطشاً!، بهذه البساطة التي لا تترك أي هامش للظروف أو للأزمات، وبلا أي بعد اجتماعي.
وهذا يطرح سؤالاً مصيرياً، ماذا عن المفقرين الذين يشكّلون الغالبية الساحقة من الشعب السوري، فكيف لها أن تدفع لشحن رصيدها بالمياه؟!
وكما عبّر أحد المواطنين «الراتب حق فاتورة كهرباء، كيف بدنا ندفع حق مي؟، وإذا قطعوها كيف بدنا نشرب؟!».


تسليع المياه في زمن الفقر المدقع


في بلد يعيش 95% من سكانه تحت خط الفقر، يأتي هذا المشروع ليضرب آخر خطوط الدعم الحكومي المتبقية، فاليوم المياه والبارحة الكهرباء والصحة و...، فماذا بقي في الغد من دعم لضمان الأمان الاجتماعي للمواطن؟
هذا النهج يتزامن مع تراجع واضح في الدور الرعائي للدولة، حيث تتقدّم لغة الاستثمار والجدوى الاقتصادية على حساب فكرة الخدمة العامة.
فالدولة، في معناها الأساسي، ليست شركة، ودورها المفترض أن يكون رعائياً، يقوم على ضمان الحد الأدنى من العدالة وتوفير الخدمات الأساسية بغض النظر عن القدرة المالية، لكن ما نشهده يوحي بالتخلي «المتعمد» عن هذا الدور، حيث يجري نقل العبء تدريجياً إلى المواطن.


صفقة نهب على حساب المواطن


وثمة سؤال آخر لا يمكن تجاوزه، من سيدفع ثمن هذه العدادات؟!
التقارير تشير إلى أن سعر عداد المياه الذكي يبلغ أكثر من 200 دولاراً، وهذا المبلغ وغيره من الكلف من جيوب المفقرين، ليتربح المورّد في صفقة جديدة للنهب على حساب المواطن وسلبه الحد الأدنى من العيش بكرامة.
ففي وقتٍ تواجه فيه العديد من المدن السورية تحديات متزايدة في تأمين مياه الشرب نتيجة الجفاف وشح مصادر المياه إلى تراجع البنية التحتية لمحطات الضخ والمعالجة، كان الأولى بالدولة أن تنفق المال العام «حق الشعب» على إصلاح الشبكات المتضررة وتأهيل المحطات قبل الاستثمار في العدادات الذكية...!


ماذا بعد؟


إن هذه الصفقة، كما يُطرح اليوم، ليست أكثر من أداة لتكريس «التمييز الطبقي»، حيث يُعاد تقسيم المجتمع إلى من يستطيع ومن لا يستطيع، العاجز.
فالتطوير والتحديث ضرورة، ولكن ليس بتحويل مياه الشرب إلى «امتياز يُشترى» وجعله عبئاً جديداً على شعب منهك، فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإصلاح البنية التحتية أولاً، وضمان وصول المياه إلى الجميع، ثم التفكير في تطوير أنظمة القياس، أما أن نبدأ بالعدادات «مسبقة الدفع» في بلد يعاني أزمة مياه وأوضاع معيشية واقتصادية خانقة، فهذا «ليس إصلاحاً» باستخدامه كأداة لرفع المسؤولية وترك المجال لقوى السوق لتحدد من يحصل على الخدمة ومن يُحرم منها، بل إعلان حرب على الفقراء.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1283