القمح السوري... محصول يُسلم اليوم وتُقتطع قيمته كل يوم

القمح السوري... محصول يُسلم اليوم وتُقتطع قيمته كل يوم

لم تكد تسعيرة القمح للموسم الحالي تُعلن حتى بدأت قيمتها الفعلية بالتآكل. فالسعر الرسمي المحدد بـ46 ألف ليرة جديدة للطن صدر عندما كان سعر صرف الدولار في السوق الموازية بحدود 136 ليرة، أما اليوم وقد بلغ 146 ليرة، فإن الفلاح خسر فعلياً نحو 23 دولاراً من قيمة كل طن قيد التسليم، أي ما يعادل 3383 ليرة جديدة للطن، وبنسبة تقارب 7% من قيمة محصوله، على الرغم من أنه لم يحصل على أمواله بعد.

هذه الخسارة ليست ناجمة عن سوء إنتاج أو انخفاض مردود أو تراجع جودة المحصول، بل سببها الوحيد التضخم وعامل الزمن. فالطن نفسه الذي قُدرت قيمته يوم التسعير بنحو 338 دولاراً لم يعد يساوي اليوم سوى 315 دولاراً، بينما يقف الفلاح عاجزاً عن حماية قيمة محصوله أو تحصيل مستحقاته.
الأخطر من ذلك أن معظم تكاليف الإنتاج الزراعي في سورية أصبحت ذات طبيعة دولارية. فالبذار والأسمدة والمبيدات والمحروقات وأجور الحصاد والنقل وقطع التبديل تُسعر جميعها وفق سعر الصرف بشكل مباشر أو غير مباشر. والفلاح لا يدفع هذه التكاليف من فوائض مالية يملكها، بل يضطر في أغلب الأحيان إلى الاستدانة لتأمينها، على أمل سداد ديونه المحسوبة بالدولار بعد بيع محصوله.
لكن ما يحدث اليوم هو أن الديون تبقى مرتبطة بقيمتها الحقيقية في السوق المدولرة، بينما قيمة محصول الفلاح تتراجع يوماً بعد يوم. فكل ارتفاع في سعر الصرف يلتهم جزءاً جديداً من ثمن القمح، وكل تأخير في الدفع يعني اقتطاع جزء إضافي من حق المزارع قبل أن يصل إلى يده.
والنتيجة أن الفلاح لا يتحمل كلفة الزراعة ومخاطر الجفاف وتقلبات الطقس وارتفاع أسعار المستلزمات فقط، بل يتحمل خسائر تقلبات سعر الصرف والتضخم وتأخر السداد أيضاً. وفي الوقت الذي ترتفع فيه أسعار كل شيء من حوله، يبقى سعر محصوله مجمداً على الورق، فيما تتراجع قيمته الحقيقية على أرض الواقع.
إذا استمر سعر الصرف بالارتفاع خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة قبل صرف المستحقات، فإن الخسارة الحالية البالغة 23 دولاراً للطن لن تكون سوى بداية خسارة أكبر. وعندها سيكون المزارع قد مول إنتاج القمح من جيبه ومن ديونه، ثم دفع جزءاً من ثمن محصوله نتيجة الانتظار، وكأن المطلوب منه أن يتحمل وحده تكلفة حماية الأمن الغذائي للبلاد.
إن العدالة تقتضي ألّا يتحول تأخير السداد إلى عقوبة مالية مفروضة على المنتج. فالفلاح الذي سلّم محصوله للدولة لا يجب أن يبقى رهينة تقلبات سعر الصرف، ولا يجوز أن تتآكل قيمة مستحقاته يوماً بعد يوم بينما تتزايد أعباؤه والتزاماته المالية. فاستمرار هذه المعادلة لا يعني سوى نتيجة واحدة؛ عزوف متزايد عن زراعة القمح، وتراجع في قدرة البلاد على تحقيق أمنها الغذائي في السنوات القادمة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282