رفع أسعار المحروقات... المواطن يدفع فاتورة «تحرير الأسعار» مرتين

رفع أسعار المحروقات... المواطن يدفع فاتورة «تحرير الأسعار» مرتين

لم تكن النشرة الأخيرة لأسعار المحروقات مجرد تعديل تقني في جداول التسعير، بل شكلت حلقة جديدة في مسلسل نقل الأعباء الاقتصادية إلى المواطنين تحت عناوين براقة مثل «تحرير الأسعار» و«التسعير وفق التكلفة» و«اقتصاد السوق الحر التنافسي». فبينما تتراجع قدرة السوريين الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، تستمر القرارات الاقتصادية في الاتجاه نفسه؛ رفع التكاليف، وتحرير الأسعار، وترك السوق يحدد مصير الناس.

الأرقام وحدها تكشف حجم التحول الذي جرى منذ بداية العام وحتى ٨ حزيران الحالي تاريخ أحدث نشرة أسعار للمحروقات. فقد ارتفع سعر البنزين أوكتان 90 من 98,39 ليرة سورية جديدة إلى 156,2 ليرة، أي بنسبة تقارب 58,8%. وارتفع البنزين أوكتان 95 من 105,33 ليرة إلى 163,3 ليرة بنسبة 55%. أما المازوت، شريان النقل والإنتاج والزراعة، فقد قفز من 86,81 ليرة إلى 124,96 ليرة بنسبة 43,9%. وارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 1215 ليرة إلى 1775 ليرة بنسبة تقارب 46%، وكذلك الغاز الصناعي الذي ارتفع من 1945 ليرة إلى 2840 ليرة.

هذه الزيادات لم تكن ناتجة عن رفع السعر بالدولار فقط، بل عن رفع سعر الصرف أيضاً والمعتمد لتسعير المحروقات من 115,75 ليرة للدولار في بداية العام إلى 142 ليرة في النشرة الأخيرة، أي بزيادة تبلغ نحو 22,7%. وهنا تظهر الحقيقة الأساسية التي يجري تجاهلها في الخطاب الرسمي؛ المواطن لا يواجه زيادة واحدة، بل يواجه أثراً مزدوجاً ومركباً ناتجاً عن ارتفاع سعر المحروقات من جهة، وارتفاع سعر الصرف المعتمد من جهة أخرى.
فعندما يرتفع الوقود، ترتفع تكاليف النقل. وعندما ترتفع تكاليف النقل، ترتفع أسعار المواد الأولية والبضائع والمنتجات الزراعية والصناعية. وعندما ترتفع أسعار هذه السلع، تنتقل الزيادة إلى المستهلك النهائي. لكن الأمر لا يتوقف هنا، لأن رفع سعر الصرف المعتمد يرفع بدوره تكاليف الاستيراد والتسعير والتوقعات التضخمية، فتتضاعف آثار الزيادة عبر سلسلة طويلة من الحلقات الاقتصادية.

إن المازوت ليس مجرد مادة تباع في محطة وقود، بل هو وقود الشاحنات والحافلات والجرارات الزراعية والمولدات والمعامل والأفران. وكل ارتفاع في سعره يتحول تلقائياً إلى زيادة في تكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع. لذلك فإن آثار القرار لن تقتصر على أجور المواصلات أو أسعار الوقود، بل ستظهر تباعاً في أسعار الغذاء والخضار والفواكه والخبز والخدمات الصحية والتعليمية والمهنية.
والأخطر من ذلك أن السوق لا يتعامل مع الزيادات بطريقة حسابية بحتة، بل بطريقة توقعية ومضاربية أيضاً. فالتاجر الذي يتوقع ارتفاع التكاليف مستقبلاً يرفع الأسعار مسبقاً، والمنتج الذي يخشى تقلبات السوق يضيف هامش أمان إضافياً، والناقل يرفع أجره تحسباً لزيادات جديدة. وهكذا تتحول الزيادة الأصلية إلى موجة تضخمية أوسع من أثرها المباشر.
السوق التنافسية، التي يتم الترويج لها عبر تحرير الأسعار، يفترض أن تكبح الاحتكار وتحسن الكفاءة وتحمي المستهلك عبر المنافسة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين هي المنافسة الحقيقية في اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج، واحتكار حلقات الاستيراد والتوزيع، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الرقابة الفعالة؟
إن تحرير الأسعار في ظل غياب المنافسة الفعلية لا يعني سوقاً حرة، بل يعني ببساطة إطلاق يد الأقوى اقتصادياً لفرض شروطه على الأضعف. وعندما يكون المواطن هو الحلقة الأضعف دائماً، فإن النتيجة المعروفة مسبقاً هي تحميله كامل فاتورة التحولات الاقتصادية.

لقد جرى تحرير أسعار المحروقات، لكن لم تُحرر الأجور. جرى ربط التسعير بالدولار، لكن لم تُربط الرواتب بالدولار. جرى الحديث عن اقتصاد السوق، لكن من دون بناء شبكات أمان اجتماعي تحمي الفئات الأكثر هشاشة. وهكذا يجد ملايين المواطنين أنفسهم أمام معادلة قاسية؛ أسعار تتحرك وفق منطق السوق العالمية وسعر الصرف، بينما تبقى دخولهم محكومة بواقع محلي متآكل لا يواكب شيئاً من تلك التحولات.
إن المشكلة ليست في إعادة النظر بالأسعار بحد ذاتها، بل في غياب أي سياسات موازية لحماية المجتمع من نتائجها. فلا توجد زيادات حقيقية في الأجور تتناسب مع التضخم، ولا دعم نقدي فعال، ولا برامج حماية اجتماعية قادرة على امتصاص الصدمات المتكررة. والنتيجة أن كل رفع للأسعار يتحول إلى اقتطاع جديد من مستوى معيشة الأسر السورية.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات باعتبارها مجرد تعديل مالي أو محاسبي. إنها خطوة ستنعكس على كل سلعة وخدمة تقريباً، وستضيف ضغوطاً جديدة على الإنتاج والنقل والمعيشة. أما المواطن، الذي يُطلب منه في كل مرة أن يتحمل الأعباء باسم الإصلاح الاقتصادي، فيبقى وحيداً في مواجهة سوق مفتوحة على الزيادات، من دون مظلات حماية حقيقية، ومن دون أدوات دفاع سوى تقليص استهلاكه والتنازل عن مزيد من احتياجاته الأساسية.
وهكذا يصبح «تحرير الأسعار» بالنسبة لكثيرين تحريراً للأسعار من أي ضوابط، بينما يبقى المواطن مقيداً بدخل ثابت يتآكل مع كل نشرة جديدة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282