أزمة مياه الشرب... دمار البنى التحتية واستنزاف جيوب السوريين
بعد سنوات من تدمير البنى التحتية في مناطق واسعة، لم تعد معاناة السوريين مع شح المياه تقتصر على ساعات القطع أو تردي الجودة.
فمع غياب دور الدولة الفاعل واعتماد الحلول الإسعافية عبر المنظمات الدولية، يفرض الواقع على الأهالي خيارات مستحيلة؛ إما دفع مبالغ طائلة لشراء المياه من صهاريج خاصة تستنزف مدخراتهم، أو العيش في بيئة صحية مهددة بالتلوث والمرض.
فما يجري، على سبيل المثال، في ريف حماة الشرقي ودرعا ليس حالة استثنائية، بل نموذج مكرر في كل المحافظات، فقد تحولت المياه من خدمة عامة إلى سلعة تخضع لقوانين السوق، مع غياب أي رقابة حقيقية على الجودة أو التسعير.
مشاريع لا تروي العطش
يكشف واقع محطات المياه التي أعادت المنظمات الدولية تأهيلها، كمشروع «قليدين» بريف حماة الشمالي الغربي، الذي تموله منظمة «الإغاثة الإسلامية»، أو مشروع «اللج» بدعم من اليونسيف، عن نمط متكرر من المشاريع محدودة النطاق.
فحتى حين تُنجز هذه المشاريع بنسبة تزيد عن 95%، كما هو الحال في قليدين، يبقى التصريف المائي (مضختان بقدرة 75 م3 في الساعة)، غير كافٍ لتغطية احتياجات القرى البعيدة التي تبعد 20 كيلومتراً، وذلك بحسب ما أفادت به مجيدة فرج، رئيس وحدة مياه السقيلبية «لعنب بلدي» في 7 حزيران.
ينتج هذا النهج فجوات مائية حادة بين المناطق، ويدفع سكان القرى إلى الانتقال نحو المراكز الأفضل خدمة، ما يزيد الضغط على البنى التحتية الهشة أصلاً. والأسوأ، أن الاعتماد على تمويل المنظمات يجعل استدامة هذه المشاريع رهناً بشروط الجهات المانحة وآجال التمويل، فما إن تنتهي مدة العقد حتى تعود الأعطال وتتراجع الصيانة.
الصيف يفضح الهشاشة
تحول الصيف إلى موسم عطش وبحث يائس عن المياه، بعد انخفاض منسوب الآبار الجوفية في بئر كويا بريف درعا الغربي، حيث تراجع التدفق من 40 م3 في الساعة إلى 12 فقط، وفق حديث رئيس بلدية كويا، أمجد سليمان، «لعنب بلدي» في 7 حزيران.
وقد ساهمت الحلول الفردية التي لجأ إليها الأهالي، من حفر آبار خاصة وشراء صهاريج، بالإضافة إلى غياب التنظيم الرسمي، إلى استنزاف الخزانات الجوفية.
استنزاف منهجي
تحولت صهاريج المياه إلى نمط حياة دائم، ترافقها تكاليف تثقل كاهل العائلات. حيث تشير المعطيات إلى أن نقل خزان مياه سعة 1000 ليتر لمسافة 500 متر يكلف نحو 8 دولارات في ريف حماة.
أما في درعا، فتصل أجرة تعبئة صهريج (25 برميلاً) إلى 4,2 دولارات، مع انتظار قد يمتد إلى ست ساعات، بينما يضطر من يشترون المياه من الباعة الجوالين لدفع 21,4 دولاراً!
أي من يملك وسيلة نقل خاصة، وقدرة مادية، يتحمل تكلفة يومية أقل، بينما يدفع الفقراء أضعافاً مضاعفة للحصول على الخدمة ذاتها.
عدا عن أن تداعيات الأزمة تمتد إلى الصحة العامة؛ فاختلاط المياه الجوفية بملوثات بيئية، كالصرف الصحي، ومخلفات حربية، وأسمدة، كما أظهرت فحوصات أولية في ريف حماة، يجعل المياه غير صالحة للشرب.
وبالتالي، لا بد من تحويل نهج التعامل مع ملف المياه من إغاثي إلى تنموي، للخروج من دائرة الاعتماد المزمن على المنظمات، وكي لا تبقى المياه سلعة تُرهق الفقراء وتخضع استدامة المشاريع لآجال تمويل المانحين.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282
نور الإبراهيم