مواد البناء ترتفع بأكثر من 50% وتعمّق أزمة الترميم
تشهد سوق مواد البناء في سورية منذ بداية عام 2026 تحولات سعرية متسارعة انعكست بشكل مباشر على المواطنين الراغبين بترميم منازلهم المتضررة جزئياً، وعلى مشاريع إعادة التأهيل والبناء التي تواجه تحديات مالية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع قيمة الليرة السورية في الوقت نفسه.
وتظهر البيانات المتاحة لأسعار مواد البناء بين بداية شباط ومنتصف حزيران 2026 أن السوق سجلت ارتفاعات حقيقية بالدولار في معظم المواد الأساسية، بالتوازي مع ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية من نحو 11,600 ليرة سورية إلى ما يقارب 14,500 ليرة، أي بزيادة بلغت نحو 25 بالمئة خلال أقل من خمسة أشهر.
الحديد يقفز بنسبة 17% بالدولار
يعد الحديد المؤشر الأبرز لتكاليف البناء، وقد ارتفع متوسط سعر طن حديد التسليح من نحو 560 دولاراً في بداية شباط إلى نحو 657 دولاراً في أيار وحزيران.
ففي بداية شباط تراوح سعر الطن بين 517 و603 دولارات، قبل أن يستقر نسبياً خلال آذار عند مستويات مشابهة، ثم يقفز إلى ما بين 620 و632 دولاراً خلال نيسان، ليصل في أيار وحزيران إلى ما بين 650 و665 دولاراً للطن.
وبذلك بلغت الزيادة الحقيقية في متوسط سعر الحديد نحو 17%، وهي نسبة مرتفعة جداً في الزيادات المسجلة بين المواد الرئيسية.
الإسمنت يسجل وسطي ارتفاع تجاوز 20%
لم يكن الإسمنت بعيداً عن موجة الارتفاع. فقد ارتفع متوسط سعر الإسمنت المحلي من نحو 99 دولاراً للطن في بداية شباط إلى نحو 122 دولاراً في الربع الثاني من العام، مسجلاً زيادة بلغت نحو 23%.
أما الإسمنت المستورد فارتفع من متوسط 115 دولاراً إلى نحو 133 دولاراً للطن، بزيادة قاربت 16%.
وتكمن أهمية هذه الزيادات في أن الإسمنت يشكل المادة الأساسية في معظم أعمال الترميم وإعادة التأهيل، ما يجعل أي زيادة في سعره تنعكس مباشرة على الكلفة النهائية للمشاريع السكنية والخدمية.
مواد مساندة ترتفع أيضاً
سجلت أسلاك التربيط المستخدمة في أعمال التسليح ارتفاعاً من متوسط 33,4 دولاراً إلى 39,4 دولاراً، للعبوة زنة 25 كغ، بزيادة بلغت نحو 18%.
كما ارتفع سعر كيس المسامير من نحو 5 دولارات إلى 6 دولارات تقريباً، أي بزيادة وصلت إلى 20 بالمئة.
في المقابل، بقيت أسعار البلوك مستقرة نسبياً، حيث حافظ بلوك 24 سم على مستوى 0,47 دولار للقطعة، بينما سجل الرمل والبحص زيادات محدودة تراوحت بين 10 و13%.
ارتفاع حقيقي في تكلفة مواد البناء
تشير المقارنات إلى أن تكلفة سلة مواد البناء الأساسية ارتفعت بنحو 20% بالدولار منذ بداية شباط وحتى منتصف حزيران.
وبمعنى عملي، فإن مشروعاً كان يحتاج إلى مواد بقيمة 100 ألف دولار في بداية الفترة يحتاج اليوم إلى نحو 120 ألف دولار للحصول على الكميات نفسها من المواد.
لكن التأثير الأكبر يظهر عند احتساب تغير سعر الصرف.
ففي بداية شباط كان الدولار يعادل نحو 11,600 ليرة سورية، بينما وصل في منتصف حزيران إلى نحو 14,500 ليرة، بزيادة تقارب 25%.
وعند جمع أثر ارتفاع أسعار المواد مع أثر ارتفاع سعر الدولار، ترتفع تكلفة مواد البناء المقومة بالليرة السورية بنحو: 20% زيادة حقيقية في أسعار المواد، و25% زيادة ناتجة عن تغير سعر الصرف.
أي إن الكلفة الإجمالية ارتفعت بما يقارب 50 إلى 52 بالمئة خلال أقل من خمسة أشهر.
وبعبارة أخرى، فإن مشروعاً كانت تكلفة مواده 100 مليون ليرة سورية في بداية شباط يحتاج اليوم إلى أكثر من 150 مليون ليرة للحصول على الكميات نفسها من المواد.
المواطنون الأكثر تضرراً
ينعكس هذا الواقع بشكل مباشر على الأسر السورية التي تسعى إلى ترميم منازلها المتضررة جزئياً.
فالعائلة التي كانت تحتاج إلى 40 مليون ليرة لترميم منزلها مطلع العام أصبحت بحاجة إلى أكثر من 60 مليون ليرة تقريباً لتنفيذ الأعمال ذاتها.
أما الأسر التي كانت تخطط لإضافة غرفة أو استكمال طابق أو تنفيذ أعمال إكساء، فقد وجدت نفسها أمام فجوة تمويلية متزايدة مع كل ارتفاع جديد في أسعار المواد أو سعر الصرف.
ويؤكد عاملون في قطاع البناء أن كثيراً من المواطنين باتوا يلجؤون إلى تنفيذ أعمال الترميم على مراحل متباعدة زمنياً بسبب عدم قدرتهم على تأمين كامل التكلفة دفعة واحدة.
انعكاسات على مشاريع إعادة التأهيل والإعمار
لا يقتصر تأثير الارتفاعات على الأفراد فحسب، بل يمتد إلى مشاريع إعادة التأهيل التي تنفذها البلديات والمنظمات الإنسانية والجمعيات الأهلية.
فالموازنات التي كانت تكفي لإعادة تأهيل 100 منزل أو مدرسة أو منشأة خدمية في بداية العام قد لا تكفي اليوم سوى لتنفيذ ما بين 65 و70% من الأعمال المخطط لها، نتيجة ارتفاع أسعار المواد وتكاليف التنفيذ.
كما أن شركات المقاولات والمستثمرين يواجهون صعوبات متزايدة في إعداد دراسات جدوى دقيقة للمشاريع الجديدة بسبب تقلب الأسعار وتغير تكاليف التنفيذ خلال فترات قصيرة.
نحو دور أكبر للدولة في تأمين مواد البناء
في ظل استمرار ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، تبدو أسعار مواد البناء اليوم واحدة من أبرز العقبات التي تواجه جهود الترميم وإعادة التأهيل والإعمار، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توفير حلول تمويلية وتسهيلات تساعد المواطنين على إعادة تأهيل مساكنهم وتحسين ظروفهم المعيشية.
وفي مواجهة هذه الارتفاعات، يبرز دور الدولة كعامل أساسي في الحد من الضغوط على قطاع البناء من خلال دعم الإنتاج المحلي لمواد البناء وتعزيز قدرات المعامل الوطنية العامة والخاصة. كما يمكن لمؤسسات القطاع العام المنتجة للإسمنت ومواد البناء الأخرى أن تلعب دوراً أكبر في تحقيق الاستقرار السعري عبر زيادة الإنتاج وتحسين كفاءة التشغيل وتوفير المواد في الأسواق المحلية بكميات كافية. فتوسيع الطاقات الإنتاجية المحلية وتسهيل حصول المصانع على مستلزمات الإنتاج والطاقة والنقل من شأنه أن يخفف الاعتماد على المواد المستوردة ويحد من تأثير تقلبات سعر الصرف، بما ينعكس إيجاباً على تكاليف الترميم وإعادة التأهيل ومشاريع البناء عموماً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282