مشروع «أبيات هيلز» وتبخر أحلام المفقرين في امتلاك بيت العمر...!
رشا عيد رشا عيد

مشروع «أبيات هيلز» وتبخر أحلام المفقرين في امتلاك بيت العمر...!

في السادس من حزيران 2026، وُضع حجر الأساس لمشروع «أبيات هيلز» السكني في ضاحية قدسيا بريف دمشق، بحضور رسمي واقتصادي واسع وبرعاية وزارة الأشغال العامة والإسكان، وعلى مساحة 380 ألف متر مربع لتأمين أكثر من 2000 وحدة سكنية، وبكلفة تقديرية حسب تصريح مديره التنفيذي «محمد السلوم» تتجاوز 200 مليون دولار، جاء الإعلان على أنه «أول ثمرة عملية لمذكرات التفاهم» بين الجانبين السوري «المؤسسة العامة للإسكان» والسعودي «شركة أبيات للاستثمار والتطوير العقاري»، لكن بين السطور، يكمن سؤال محوري لم تطرحه التصريحات الرسمية المتغنية «بالشراكة بين القطاعين» و«جودة الحياة» و«الاستدامة البيئية»، لمن يُقام هذا المشروع حقاً؟!

«كامبوند»، سكني أم سياحي؟


المشروع بهذه التكلفة والمواصفات، ليس مجرد أبنية سكنية، بل «مُجمّع سكني مغلق»، يضم حدائق ومرافق ترفيهية وتجارية، في صيغة أقرب إلى المنتجعات السياحية «الفاخرة» منها إلى الحلول الإسكانية العادلة، هذا النموذج «الاستعراضي»، الذي تتغنى به الجهات الرسمية تحت لافتة «جذب الاستثمارات» و«التطوير العقاري»، لا يخدم الباحثين عن مسكن حقيقي وملائم، بل يخلق جُزُراً معزولة للأثرياء على أملاك الدولة التي هي حقٌ لعامة الشعب.
فحين يُحاصر المواطن بين أسعار عقارات وإيجارات خيالية «جشعاً واستغلالاً» ودخل لا يسد الرمق، يأتي «أبيات هيلز» ليعلن أن الأولوية ليست «للحاجة»، بل «لبهرجة» الصور والدعاية.


لمن هذا الإنقاذ؟


الصدمة الأكبر تكمن في الأرقام، فحسب التقديرات الميدانية إذا كان وسطي سعر الوحدة السكنية «شقة مثلاً» سيصل إلى 100 ألف دولار، أي ما يعادل أكثر من مليار ليرة سورية بكثير، فأمام هذا الرقم الفلكي، يغدو الحديث الرسمي عن «مشروع ينقذ المغمورين» ضرباً من العبث، ومهزلةً لا تنطلي إلا على من يعيش خارج الواقع المعاش، فأي مواطن من ذوي الدخل المحدود أو المتوسط_ وهم الغالبية الساحقة_ يستطيع دفع مليار ليرة لشراء شقة؟!
هذه الأسعار تخصّ شريحة ضيقة لا تتجاوز «النخبة المتنفذة»، فيما يُترك الملايين يصارعون الغلاء وحدهم، بلا سياسة سكن وإسكان حقيقية تراعي قدرتهم الشرائية المتآكلة.


الاكتتاب يعود بوجه جديد


التسجيل في المشروع سيكون وفق آلية «الاكتتاب»، ما يستدعي شبح الماضي الثقيل، فالسوريون لهم تجارب مريرة «تاريخياً» مع هذه الآلية، فذاقوا الأمرّين ولم يُكتب للكثير منهم بعد امتلاك بيت العمر!
واليوم، وبالآليات ذاتها «المستنسخة» من عقلية السلطة الساقطة، هل يُعاد فتح هذا الباب للمحسوبيات والفساد، ولتجيير المال العام إلى صفقات خاصة ينتفع منها كبار أصحاب الأرباح والمتنفذين والناهبين؟
هذه الاستمرارية تعني أن السياسات الليبرالية المتوحشة لم تتغير، منفصلةً عن أوجاع الناس، لا ترى في أزمة السكن سوى فرصة للربح السريع.


اقتصاد الصورة لا الحاجة


فيما يلهث المفقرون لتأمين رغيف الخبز، تُملأ الواجهات الإعلامية بمشاريع البوليفاردات التجارية والمدن الترفيهية والمُجمّعات السياحية، كأن البلاد في سباق مع «الترف» لا مع إعادة الإعمار.
هذه «البهرجة» لا تخاطب حاجةً حقيقية، بل تسعى إلى ترسيخ صورة عن استقرار وهمي وتقدم شكلي، بينما يبقى ملف السكن الأكثر حساسيةً شاهداً على عجز الدولة وفشلها، بل وتخليها المتعمد عن واجبها في حماية مواطنيها وتأمين مساكن آمنة وكريمة لهم.
إنه اقتصاد «الصورة» لا اقتصاد «الخدمة والحاجة»، استثمار في الإبهار بدل الاستثمار في الإنسان.
ختاماً، هذا ليس مشروعاً سكنياً، بل صفقة فاخرة «للنخبة» على ظهور الفقراء. فهل هكذا تكون إعادة الإعمار؟ وهل هكذا تُحل أزمة «المليوني» منزل التي تحدث عنها مدير المؤسسة العامة للإسكان «تمام الدبل»؟
ففي بلدٍ أنهكته الحرب، لا يحتاج السوريون إلى مُجمّعات مغلقة تُذكّرهم ببُعد المسافة بينهم وبين السلطة، بل إلى سياسة سكنية عادلة تبدأ من حاجة الناس، لا من جشع السوق. وإلا، فستبقى هذه المشاريع مدناً للأغنياء، وأيقونةً لانفصال الدولة عن واقع الشعب.
أما السؤال الأبرز والأهم الموجه للمؤسسة العامة للإسكان والحكومة على ضوء البهرجة والتباهي بمشروع «أبيات هيلز»:
ما مصير أحلام من أصبحوا «كهولاً» وهم بانتظار بيت العمر «الشبابي» المكتتب عليه منذ عام 2004؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282