امتحان الرياضيات في البكالوريا السورية: عندما يتحول الامتحان إلى عقوبة جماعية
لم يعد الجدل حول امتحان الرياضيات في الشهادة الثانوية العامة – الفرع العلمي – مجرد نقاش عابر حول صعوبة الأسئلة أو سهولتها. ما حدث هذا العام فتح الباب أمام سؤال أكبر وأكثر خطورة: هل كان الهدف من الامتحان قياس مستوى الطلاب، أم معاقبتهم على ظروف لم يكونوا مسؤولين عنها؟
من السهل على أي جهة مسؤولة أن تقول إن الأسئلة جاءت من المنهاج. لكن السؤال الحقيقي ليس إن كانت الأسئلة موجودة في الكتاب، بل إن كان الطلاب قد حصلوا فعلاً على فرصة متكافئة لدراسة هذا المنهاج وإتقانه. فالعدالة التعليمية لا تتحقق بمجرد وضع الأسئلة ضمن المقرر، وإنما بتأمين الظروف التي تجعل جميع الطلاب قادرين على الوصول إلى المعرفة نفسها بالقدر نفسه.
خلال هذا العام، عاش آلاف الطلاب السوريين في ظروف استثنائية وغير مسبوقة. فيضانات ضربت مناطق في الرقة ودير الزور وأثرت على العملية التعليمية، وأحداث أمنية شهدتها مناطق في حلب، وتوترات واعتداءات «إسرائيلية» مستمرة في الجنوب ألقت بظلالها على الحياة اليومية والاستقرار النفسي للطلاب. وبين هذا وذاك، وجدت مدارس كثيرة نفسها عاجزة عن استكمال المنهاج وفق الخطة المقررة.
ومع ذلك، جاء الامتحان وكأن شيئاً من ذلك كله لم يحدث.
جاء امتحان الرياضيات ليطالب الطلاب بإظهار أعلى درجات التركيز والتحليل في وقت لم يكن فيه كثير منهم قد حصل أصلاً على ظروف تعليمية مستقرة. والأسوأ من ذلك أن أسئلة من الوحدات الأخيرة في المنهاج وجدت طريقها إلى ورقة الامتحان رغم أن عدداً من المدارس لم يتمكن من إنهاء تدريسها بالشكل المطلوب.
أي عدالة هذه التي تساوي بين طالب درس المنهاج كاملاً في ظروف مستقرة، وطالب آخر انقطعت دراسته أو تعطلت أو تأخرت بسبب ظروف قاهرة؟
اللافت أن الانتقادات هذه المرة لم تأت من الطلاب وحدهم، وهو ما يمنحها مصداقية أكبر. فقد خرج مدرسون ومختصون في المادة ليؤكدوا أن الامتحان كان فوق المستوى المتوقع وأن بعض الأسئلة احتاجت إلى وقت وجهد لا يتناسبان مع طبيعة الامتحان. ووصل الأمر إلى حد انتقاد الامتحان من قبل شخصيات تربوية ونقابية معروفة، ما يعني أن القضية لم تعد مجرد انطباعات شخصية أو تبريرات لما بعد الامتحان.
ثم جاءت قضية اختلاف نموذج إدلب عن النماذج المقدمة في بقية المحافظات لتضيف مزيداً من علامات الاستفهام. فكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص بينما يتداول المعلمون والطلاب مقارنات تظهر تفاوتاً واضحاً في طبيعة ومستوى الأسئلة؟ وكيف يمكن طمأنة الطلاب إلى عدالة المفاضلات الجامعية إذا كانت هناك قناعة واسعة بأن مستوى الامتحانات لم يكن متقارباً بالشكل الكافي؟
إن وظيفة الامتحان الوطني ليست اصطياد الطلاب ولا استعراض قدرات واضعي الأسئلة. الامتحان الناجح هو الذي يميز بين المستويات المختلفة للطلاب من دون أن يتحول إلى حاجز تعجيزي أمام الغالبية. أما عندما يخرج آلاف الطلاب من القاعات وهم يشعرون بالعجز والصدمة والظلم، وعندما يشاركهم هذا الشعور معلمون وخبراء في المادة نفسها، فإن المشكلة لا تعود مشكلة طلاب، بل مشكلة فلسفة تقييم بأكملها.
اليوم لا يطالب أحد بمنح علامات مجانية، ولا بتخفيض المستوى العلمي للشهادة الثانوية، بل يطالب الناس بشيء أبسط من ذلك بكثير؛ العدالة. العدالة في وضع الأسئلة، والعدالة في مراعاة الظروف، والعدالة في التصحيح، والعدالة في النظر إلى الطالب بوصفه إنساناً عاش عاماً استثنائياً لا آلة يفترض بها أن تعمل بالكفاءة نفسها مهما كانت الظروف المحيطة بها.
وإذا كانت الشهادة الثانوية تمثل محطة مصيرية تحدد مستقبل عشرات آلاف الشباب، فإن أقل ما يستحقه هؤلاء هو أن يشعروا بأن الامتحان كان اختباراً لمعارفهم، لا اختباراً لقدرتهم على تحمل الأزمات والكوارث والاضطرابات التي لم يصنعوها ولم يختاروها.
إن الأزمة الحقيقية التي كشفها امتحان الرياضيات ليست في ورقة الأسئلة وحدها، بل في الفجوة المتزايدة بين واقع الطلاب كما هو، والطريقة التي يُفترض بهم أن يُقيَّموا بها. وما لم تُراجع هذه الفجوة بجدية، فإن الجدل الحالي لن يكون الأخير، بل مجرد حلقة جديدة في مسلسل فقدان الثقة بمنظومة يفترض أنها وُجدت لتحقيق العدالة لا لإثارة الشعور بالغبن.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282