القنيطرة عطشى... والحكومة تفتح أبواب الجحيم للاستثمار الخاص...!
حين يأتي الاعتراف الرسمي بوجود أزمة مائية حادة في محافظة القنيطرة، حيث تراجعت الهطولات المطرية إلى ما نسبته 25% من المعدل السنوي وجفاف خمسة سدود من أصل ستة رئيسية، فإن المنطق يتوقع إجراءات طارئة لترشيد وحماية كل قطرة ماء، لكن ما حدث كان العكس تماماً!
ففي أيار 2025، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة قراراً يسمح بإنشاء معامل لتعبئة المياه في جميع المحافظات السورية سواء أكان مصدر المياه سطحياً أو جوفياً، ليصل عدد الطلبات المقدمة في القنيطرة وحدها اليوم إلى 49 طلباً، حصل خمسة منها على موافقات نهائية للمباشرة بالعمل وحفر الآبار والأعمال الإنشائية، وفق تصريح لمدير صناعة القنيطرة «نصر الحلبي» لصحيفة «الوطن» بتاريخ 7/6/2026.
إنها استباحة منظمة للموارد الطبيعية تحت عباءة فضفاضة «الاقتصاد الحر» ومنع الاحتكار، فهي عملياً تنهي احتكار منشآت القطاع العام وتفتح الباب على مصراعيه لمحتكرين جدد!، كما يغدو تكريساً لنموذج رأس مالي طفيلي يتعيش على معاناة السوريين وبرعاية رسمية فاضحة!
فكيف تستقيم هذه الخطوة الموصوفة «بالتنموية» أمام هذا الواقع؟، وكيف تُمنح تراخيص لاستنزاف المياه وتعبئتها «تكسباً» في وقت تتصحر فيه الأراضي وتنضب فيه مصادر المياه في عموم البلاد، لتتحول مياه الشرب إلى سلعة تباع وتشترى لمن لديه القدرة على الدفع بدلاً من كونها حقاً أساسياً من حقوق الإنسان.
التصريحات الرسمية تبلغ ذروة التناقض حين يؤكد مدير صناعة القنيطرة، أن الشروط تضمن «الجودة وعدم الإضرار بالمخزون المائي»، وهذا يشبه تماماً إصدار تصريح صيد في محمية طبيعية أُعلن أنها خالية من الحيوانات. إنها سخرية «قاسية» من واقع «مائي» متأزم يعرفه كل مواطن سوري!
باختصار وبصراحة، تم الترويج سابقاً لعجز منشآت القطاع العام عن تلبية احتياجات السوق، كمبرر لفتح الأبواب أمام الاستثمارات الخاصة، غير أنّ متابعين بالشأن الاقتصادي يرون أن تعطيل هذه المنشآت جاء نتيجة سياسات متعمدة من سوء الإدارة ونقص التمويل، لتكون الخصخصة «المنقذ الوحيد»!
مما يطرح السؤال الملح، هل تم فعلاً دعم هذه المنشآت قبل الحكم عليها بالعجز أم أن توقيفها وتعطيلها كان تمهيداً لتمرير هذه المشاريع الخاصة تحت يافطة «التحرير الاقتصادي»؟!
في الواقع، هذا ليس «استثماراً» بالمعنى الحقيقي، فالاستثمار يعني وجود مخاطرة تحتمل الربح أو الخسارة، أما هنا وحسب خبراء الاقتصاد «شريك المياه لا يخسر»، فالمشروع لا يحتاج تكنولوجيا معقدة أو خبرات نادرة وأرباحه مضمونة، ومسوّق ومخاطره محدودة، والأهم مورده الطبيعي متاح.
هذا وبكل أسف، تخلٍّ رسمي عن قطاع يفترض أنه «سيادي» في وقت كان من الممكن الحفاظ عليه وإصلاح منشآته وتطويرها بدلاً من منح رُخص لاستنزاف موارده.
ما يحدث في القنيطرة ليس حالة معزولة، بل جزء من نهج متكامل لتصفية الأصول العامة، كما جرى مع معمل تعبئة مياه «الدريكيش» في طرطوس عند طرحه للاستثمار الخاص بحجة «التطوير»!
ومع أن هذه «الصفقة» تختلف نسبياً من حيث كونها تتعلق بمنشأة قائمة على مورد طبيعي، إلا أن الجوهر واحد؛ تسليم ثروة عامة ووطنية للقطاع الخاص، فتتحول من أداة لخدمة المواطن إلى آلة للتربح.
بالمحصلة، هذا إنذار لكارثة مائية واقتصادية واجتماعية قادمة، فعندما ينضب المخزون المائي، ستصبح مياه الشرب سلعة «كمالية»، وهذا هو جوهر «الخصخصة» وعين الاحتكار الذي يُزعم محاربته!
في ظل هذا النهج، هل ستخطط الحكومة لبيع الهواء الذي نتنفسه أيضاً تحت مسمى «الاستثمار البيئي»؟! طالما أن هناك من يدفع ثمناً، ولو كان باهظاً على حساب الأمن المائي والمصلحة الوطنية واستقرار البلاد؟!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282
رهف ونوس