التحول الرقمي «أولوية قصوى» إعلامياً... والواقع يقول الجباية أولاً!
منية سليمان منية سليمان

التحول الرقمي «أولوية قصوى» إعلامياً... والواقع يقول الجباية أولاً!

بينما يتغنّى الخطاب الرسمي لوزارة الاتصالات بأن «التحول الرقمي أولوية قصوى لبناء مؤسسات ذكية واقتصاد رقمي يدفع عجلة التنمية»، يوقّع القائمون على هذا الخطاب على قراراتٍ تدفن أي أمل «برقمنة حقيقية» تحت جبل من الرسوم الفلكية.

فالقرار الأخير الناظم لترخيص التطبيقات الإلكترونية لخدمة توصيل الطلبات ونقل الركاب، ليس سوى إعلان «إفلاس مُقنَّعٍ» لتلك الشعارات، وصكَّ إعدامٍ رسميّ لأي مشروع ناشئ قبل أن يبصر النور.
أصدرت الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد قراراً بتاريخ 19 نيسان، ليحدد بدل ترخيص ابتدائي لهذه التطبيقات الإلكترونية بمبلغ قدره 500,000 ليرة سورية جديدة (أي ما 50 مليون ليرة سورية قديمة)، يُضاف إليها رسم دراسة الطلب البالغ 5000 ل.س جديدة.
ثم يأتي التجديد السنوي متدرجاً ليكمل فصول الكارثة، تصفير السنة الأولى (المدفوعة مسبقاً عند الترخيص) بينما السنة الثانية 500,000 ل.س جديدة، والثالثة 1,000,000 ل.س، أما السنة الرابعة وما بعدها 1,500,000 ل.س جديدة، ويُضاف إليها أيضاً رسم الدراسة نفسه عند كل تجديد.
من يدفع هذه المبالغ الخيالية؟! هل شابٌّ يدير مشروعه من منزله أم آخرون يحاولون انتشال لقمة عيشهم من وحل البطالة؟!
بالمحصلة، هذا إجهاض ممنهج للمشروع «الصغير» قبل أن يولد، وإغراق صاحبه في إحباط يجعل من روح المبادرة نكتة سمجة.
إنها رسالة بيروقراطية واضحة المعالم «من لا يملك رأس مال كبيراً، فلا مكان له في اقتصاد المستقبل».
في تصريحات متلاحقة على مدى عام ونصف تقريباً، ظل وزير الاتصالات «عبد السلام هيكل» يردد أن «رقمنة الخدمات بوابة التنمية وهذه ليست رفاهية بل ضرورة لإعادة الإعمار وتحسين جودة حياة المواطنين»، وأن الحكومة ماضية في «تمكين الشباب وتشجيع الريادة الرقمية».
فأي تمكين هذا الذي يفرض على رائد الأعمال الناشئ عبئاً مالياً يفوق طاقة شركات قائمة؟
وأي تشجيع يُستهلّ بفواتير تقتل أحلام أصحابها بالتصفير؟!
المفارقة ساخرة إلى حد الألم: خطاب يغازل المستقبل من جهة، وقرارات تستنسخ عقلية الجباية «المتوحشة» من جهة أخرى، وكأن الوزارة «تتصيد» المشاريع لا تحضنها.
فحين توضع مثل هذه القيود المالية، لا يتوقف الطلب على خدمات التوصيل والنقل، بل يتوقف الطرف الأضعف عن الانخراط في الاقتصاد المنظم، ليهرب مقدمو الخدمة جماعياً إلى مجموعات وصفحات بيع غير مراقبة (عبر الواتساب مثلاً)، وإلى بدائل لا تضمن حق المستفيد ولا تحمي بياناته ولا تتابع جودة الخدمة.
هذا القرار لا يضبط أو ينظم ولا يحمي المستفيد؛ إنه يخلق سوقاً موازية مسرحها الفوضى، وحكمها الغاب، ووسيطها الفساد.
فيوم يصبح طلب الترخيص مغامرة مالية «انتحارية»، يكون الالتفاف على القانون هو الملاذ الطبيعي.
فلا رقمنة حيث تُحوَّل الخدمة إلى «عبودية» مالية، ولا تنميةَ حين يدفع صاحب مشروع «صغير» ثمن تصاريح لا يقوى على تحملها، والمواطن هنا سيدفع الثمن مضاعفاً، لخدمة غير مضمونة، ولسياسات تتفنن في قتل كل محاولة لتوطين التقانة.
ولا يجادل عاقلٌ في ضرورة «قوننة» عمل هذه التطبيقات لضمان حقوق المستفيدين وجودة الخدمة، وهذه غايةٌ مشروعة، بل ومطلوبة.
لكن السؤال الجوهري هنا، هل تصلح هذه الغاية عبر قرارات تُفقد التطبيق جدواه الاقتصادية من اللحظة الأولى؟
فحين تجعل الاستمرار في السوق مرهوناً بدفع ملايين الليرات سنوياً، فإنك لا تنظّم، بل تصنع حاجزاً يمنع دخول المنافسين الصغار، ويُبقي الساحة حكراً على مَنْ يملك رأس المال أو مَن يجيد الالتفاف على القانون.
هذا النموذج الرسمي لا يدعم اقتصاداً رقمياً، بل يصنع احتكاراً مقنّعاً، ولا يشجع الشباب، بل يدفعهم نحو الإحباط أو العمل في الظل. فإن كان التحول الرقمي يعني هذا، فلنقلها صراحة، إنه تحوّلٌ نحو ترسيخ الإقصاء، لا نحو بناء المستقبل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282