التحول الرقمي في سورية، من قفص ورقي إلى قفص إلكتروني والمواطن يدفع الثمن...!
في وقت تتغنى فيه الجهات الرسمية «بالتحول الرقمي» وتبسيط الإجراءات، يجد المواطن السوري نفسه عالقاً في دوامة رقمية خانقة، لا تقل مرارة عن مثيلتها الورقية، فبين تطبيق «معاملاتي» ومنصة «أنجز» وغيرهما الكثير، يدفع المواطن الرسوم كاملة، ليس مقابل خدمة، بل مقابل «منّة إلكترونية» معطوبة، ليجد نفسه في نهاية المطاف مُرغماً على الوقوف في الطابور مجدداً أو الوقوع تحت رحمة بعض السماسرة والمستغلين، ليعود إلى نقطة الصفر وكأنك «يا أبو زيد ما غزيت».
خدمات رقمية بواقع «لا جواب»
يكشف التعامل اليومي مع الخدمات عن هشاشة البنية التحتية الرقمية، وتؤكد أنها مجرد ديكور لا يوفر على المواطن عناء أو وقتاً، فازدادت شكاوى مواطنين حول تطبيقي «معاملاتي» و«أنجز» مشيرة إلى معيقات مستمرة أبرزها، مشكلات التسجيل وبطء الاستجابة وتأخر الطلبات، فأحد المواطنين حاول استخراج «قيد عقاري» لعقار في منطقة في ريف دمشق، ليكتشف أن محافظة ريف دمشق غير موجودة ضمن الخيارات المتاحة أساساً، وتبقى معاملته «قيد الانتظار» لأيام طويلة دون أي رد رغم دفع الرسوم، وحاولت صحيفة «الثورة» في تقرير لها بتاريخ 19/5/2026 استيضاح الأمر من وزارة الاتصالات، وكان الرد الصادم «لا جواب حالياً»، وكأن الوزارة تعبر عن حال المواطن مع خدماتها الموعودة.
جواز السفر، إرهاق وفساد منظم
يتحول استخراج جواز السفر إلى ملحمة من الإرهاق والفساد، فالسوريون يقضون «لياليَ» أمام الشاشة لحجز دور ولكن دون جدوى، وبينما تعجز المنصة الرسمية، تنشط السوق السوداء والاستغلال الذي يتعرض له المواطن للحصول عليه عبر شبكات السماسرة والفاسدين.
هذا التواطؤ بين بعض الفاسدين والمستغلين يحول معاناة الناس وحاجتهم الماسة إلى سوق سوداء يدفع فيها المواطن المفقر مبالغ إضافية ومرتفعة، لتتحول الخدمة الإلكترونية إلى مجرد قناة جديدة للابتزاز.
منصات هشة وسجلات عقارية في خبر كان
المشكلة لا تقتصر على واجهة التطبيق، بل تمتد إلى جوهر البيانات التي يُفترض أنها مؤمنة، وهنا تجدر الإشارة إلى النظام العقاري في سورية والذي من المفترض أنه سجلٌّ مقدسٌ للملكية، يعاني من الفوضى، ما يؤكد هشاشة الربط الإلكتروني بين «مراكز خدمة المواطن والسجلات العقارية»، وهذا ليس إلا إعادة إنتاج للأزمة نفسها في قالب رقمي، مما يضاعف احتمالات التلاعب وضياع الحقوق.
الفلاح و«التحول الرقمي» على الطريقة السورية
في هذا السياق، يشار إلى أن المؤسسة السورية للحبوب أطلقت «منصة إلكترونية» لحجز أدوار استلام محصول القمح، وهنا السؤال الأكثر إلحاحاً، كيف سيكون حال الفلاح البسيط المفقر وهو يواجه تعقيدات تقنية ودعماً فنياً غائباً؟
أي إننا ربما نكون أمام كوميديا سوداء جديدة، سيتحول فيها الفلاح من ضحية للسماسرة إلى ضحية «التحول الرقمي».
لا لسياسة الترقيع
ما يحدث ليس مجرد إخفاق تقني عابر، بل هو عنوان لاستهتار مزمن بحياة المواطن ووقته وماله، فالخدمة الإلكترونية التي يفترض أن تكون حقاً، تُمنح اليوم «منّة» مشروطة بدفع الثمن مرتين؛ مرة للدولة ومرة للسمسار.
فآن الأوان لتغيير هذا الواقع المشوّه، والمطالبة بمحاسبة حقيقية لا ترقيع، لأن الحديث عن «التحول الرقمي» تحول عملياً إلى غطاء جديد لإعادة إنتاج الفساد نفسه، ولكن هذه المرة بشاشة لمس.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280
منية سليمان