مذكرة التفاهم مع شركة «فاز...» الحاجة الاستثمارية ومخاطر التفريط بالأمن الغذائي
في 12 أيار 2026 أعلنت الجهات الرسمية في سورية عن توقيع مذكرة تفاهم بين المؤسسة السورية للحبوب وشركة «فاز» للاستثمار، بهدف تطوير وتشغيل 11 مطحنة حكومية ضمن ما وُصف بأنه «شراكة استراتيجية» لتحديث قطاع الطحن ورفع كفاءته الإنتاجية.
ورغم أن الإعلان قدّم الاتفاق باعتباره خطوة تطويرية في قطاع حيوي، إلا أن طبيعة المذكرة، وغياب تفاصيلها الأساسية، يثيران تساؤلات جدية حول مستقبل واحد من أكثر القطاعات حساسية في البلاد: قطاع الأمن الغذائي المرتبط مباشرة بالخبز والطحين.
اتفاق إطاري واسع...بلا التزامات واضحة
المذكرة المعلنة لا تتضمن عقداً تنفيذياً مكتمل العناصر، بل جاءت بصيغة عامة تفتقر إلى التفاصيل الجوهرية، وأبرز ما يلفت فيها:
عدم تحديد مدة التشغيل أو الاستثمار
غياب نموذج الشراكة بشكل واضح (تشغيل، إدارة،BOT أو غيره)
عدم الإعلان عن حجم الاستثمارات الفعلية
غياب آلية واضحة لتوزيع الأرباح أو تحمل الخسائر
عدم تحديد أدوات الرقابة الحكومية على التشغيل
عدم نشر القائمة الكاملة للمطاحن الـ11
هذا الغموض يجعل الاتفاق أقرب إلى «إطار نوايا» من كونه عقداً اقتصادياً ملزماً، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات متعددة لاحقاً، قد لا تكون بالضرورة في مصلحة الدولة أو المستهلك.
قطاع المطاحن ليس قطاعاً اقتصادياً عادياً
المطاحن في سورية ليست مجرد منشآت إنتاج صناعي، بل جزء مباشر من منظومة
الأمن الغذائي– الاستقرار الاجتماعي– السياسات التموينية.
فالخبز في الحالة السورية ليس سلعة سوقية فقط، بل عنصر استقرار يومي مرتبط بمعيشة معظم السكان، وبنظام الدعم الحكومي، وبالقدرة على ضبط الأسعار.
لذلك فإن أي انتقال في إدارة هذا القطاع إلى نموذج شراكة غير واضح المعالم يحمل أبعاداً تتجاوز الاقتصاد إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
واقع القطاع الحالي يبرر التطوير... لكنه لا يبرر التفريط
لا يمكن إنكار أن قطاع المطاحن يعاني من مشكلات تراكمية حادة، منها:
تهالك كبير في خطوط الإنتاج
انقطاع متكرر في الكهرباء والوقود
تراجع إنتاج القمح المحلي
خروج عدد من المطاحن عن الخدمة خلال سنوات الحرب
فجوة واضحة بين الطاقة التصميمية والإنتاج الفعلي
وتشير التقديرات الحديثة إلى أن إنتاج الطحين حالياً يتراوح بين 4000 و5500 طن يومياً، بينما الحاجة الفعلية تقدر بين 6500 و7500 طن يومياً.
لكن هذه الفجوة، رغم خطورتها، لا تعني أن الحل يجب أن يكون عبر نقل إدارة القطاع الحيوي إلى شريك خاص دون إطار حوكمة صارم وواضح.
الخطر الحقيقي ليس في الشراكة...بل في شكلها الغامض
المشكلة ليست في مبدأ الشراكة بحد ذاته، بل فيما يلي:
غياب الشفافية في العقود
عدم تحديد سقف زمني واضح
عدم وضوح حدود صلاحيات المستثمر
ضعف وضوح دور الدولة في التشغيل الفعلي
عدم وجود ضمانات مكتوبة لحماية الدعم والخبز
ففي مثل هذه الحالات، قد يتحول الاستثمار من أداة تطوير إلى مدخل تدريجي لإعادة تشكيل السيطرة على قطاع استراتيجي.
مخاطر تحويل الأمن الغذائي إلى مجال استثماري
أخطر ما في هذا النوع من الاتفاقات هو احتمال الانتقال من مفهوم «الخدمة العامة» إلى «منطق الاستثمار»، بما قد يؤدي إلى:
تآكل السيطرة الحكومية، فمع مرور الوقت، قد تصبح الدولة مجرد جهة تنظيمية، بينما تنتقل القرارات التشغيلية والإنتاجية الفعلية إلى المستثمر.
هشاشة في إدارة الأزمات، ففي أوقات الأزمات (نقص قمح، اضطراب إمدادات، أزمات طاقة)، يصبح القرار مرتبطاً بقدرة المستثمر لا بقرار سيادي مباشر.
خطر تباين الأولويات، فالمستثمر الخاص بطبيعته يسعى إلى الربحية والكفاءة المالية، بينما الدولة مطالبة بضمان توفر الخبز حتى في ظل الخسارة الاقتصادية.
قابلية الاحتكار التدريجي، ففي حال توسع عقود التشغيل، يمكن أن تتحول بعض الشركات إلى جهات مسيطرة على جزء كبير من سلسلة الغذاء.
واجب الدولة في قطاع الخبز لا يمكن تفويضه
حتى في أكثر النماذج الاقتصادية انفتاحاً، يبقى قطاع الخبز ضمن ما يسمى «القطاعات السيادية الحساسة»، التي تتطلب:
ملكية عامة واضحة للمطاحن والصوامع
إدارة مخزون استراتيجي مركزي
رقابة مباشرة على الإنتاج والتوزيع
قدرة الدولة على التدخل الفوري عند الأزمات
منع تحويل الغذاء إلى أداة ضغط اقتصادي أو سياسي
وبالتالي فإن أي شراكة يجب أن تبقى في إطار تحديث وتشغيل تحت سيطرة الدولة، وليس نقل السيطرة الفعلية عليها.
الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي
مذكرة التفاهم مع شركة «فاز» تعكس بلا شك حاجة حقيقية لإعادة تأهيل قطاع متضرر، لكنها في الوقت نفسه تفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول:
حدود الدور الذي ستحتفظ به الدولة
مدى حماية الأمن الغذائي من منطق الاستثمار الربحي
شفافية العقود وآليات الرقابة
مستقبل الدعم والخبز كخدمة أساسية
فالمعضلة ليست في الاستثمار، بل في أن يتم الاستثمار في قطاع لا يحتمل الغموض أو التنازل التدريجي عن السيطرة.
فالأمن الغذائي ليس مجالاً تجريبياً، ولا يمكن التعامل معه كقطاع اقتصادي تقليدي، لأن أي خلل فيه لا ينعكس على الأرباح والخسائر فقط، بل على استقرار المجتمع بأكمله.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278