عوامل انهيار الثروة الحيوانية تتشابك والسياسات الحكومية تفشل في منعها
تشهد أسواق المواشي في سورية مع نهاية شهر نيسان ارتفاعاً متواصلاً في الأسعار، يتزامن مع اقتراب عيد الأضحى وزيادة الطلب الموسمي على الأضاحي، بينما تصر الحكومة على سياسات متناقضة تزيد الطين بلة.
فقد سجلت الأسعار مستويات مرتفعة، حيث يتراوح سعر كيلو الخروف الحي بين نحو 50 و55 ألف ليرة سورية حالياً، فيما يصل سعر الخروف الكامل إلى عدة ملايين ليرات، ما يعكس ضغطاً متزايداً على القدرة الشرائية للمواطنين. ويعزى هذا الارتفاع إلى مجموعة عوامل أبرزها تراجع أعداد القطعان وزيادة الطلب للتسمين قبيل العيد، وارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل، بالإضافة إلى التصدير والتهريب، إلى جانب الظروف الاقتصادية العامة، ما يجعل سوق المواشي مرشحاً لمزيد من الارتفاع في الفترة القريبة القادمة.
فبين تراجع حاد في الثروة الحيوانية بنسب تصل إلى 50%، بحسب مديرية الصحة والإنتاج الحيواني في وزارة الزراعة، وفيضانات تُغرق القطعان من دون إحصاء، وسرقات علنية من قوات الاحتلال «الإسرائيلي»، وتهريب جماعي عبر المنافذ غير الشرعية، وصراعات احتكارية في الأسواق، ترفع الحكومة شعار «تصدير الأغنام»، وكأن الأمن الغذائي للسوريين لا يعنيها!
نزيف القطعان
بحسب ما أفاد به مدير الصحة والإنتاج الحيواني، د. عبد الحي اليوسف، «للثورة السورية» في 1 آذار، فإن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً في أعداد الثروة الحيوانية تراوح بين 30 و50%.
وتشير تقديرات غير دقيقة– باعتراف الجهات الرسمية نفسها– إلى وجود نحو 9 ملايين رأس من الأغنام، و1,5 مليون رأس من الماعز.
ورغم أن وزارة الزراعة أطلقت «المنصة الوطنية لإحصاء الثروة الحيوانية»، وقررت إجراء جولة إحصائية من 4 إلى 17 آذار– أي قبل أكثر من شهر– لكن لا توجد حتى اليوم أي نتائج أو أرقام موثوقة ومعلنة! وكأن الإحصاء أُجري في بلد آخر، أو أن الأرقام لن تُستخدم سوى للتباهي في بيانات إعلامية من دون حلول عملية.
ففي الحسكة وحدها، بحسب وكالة «سانا»، يُقدر عدد الأغنام بمليون و100 ألف رأس، لكن المنطقة تعرضت في الآونة الأخيرة لفيضان غرق بسببه قطعان بأكملها من دون أن تنشر الحكومة أي إحصاءات رسمية عن حجم الخسائر.
سرقات وتهريب بلا رادع
لا يقف الأمر عند تراجع الإنتاج الطبيعي بتدمير الثروة الحيوانية، بل هناك أيادٍ تعبث بالمتبقي. ففي كانون الثاني 2026 سرق جيش الاحتلال قطيعاً من 250 رأساً في منطقة حوض اليرموك. وقبل ذلك، في آب 2025، سرق أكثر من 200 رأس من قرية الأصبح بريف القنيطرة.
أما التهريب عبر المنافذ الحدودية غير الشرعية، فهو كارثة فوق كارثة. فبالإضافة إلى أن الدولة لا تجني أي عائد اقتصادي من هذه العمليات، تستنزف هذه العمليات الثروة الحيوانية، أو ما تبقى منها.
تجار الجشع!
وفي الأسواق المحلية يمارس كبار التجار والمتحكمين أسلوباً لا يقل إجراماً عن التهريب والسرقة؛ حيث تتسبب شبكات المصالح والوسطاء في حبس القطعان لتقليل المعروض ورفع الأسعار، مستغلين غياب الرقابة لتحقيق أرباح خيالية على حساب المربين والمستهلكين.
ولم تعلن أي جهة رقابية عن ضبط أي تاجر محتكر. فالشعار السائد اليوم «الحرية للتجار، والجوع للمواطنين!»
الأعلاف تلتهم 65% من تكلفة الإنتاج
تشكل الأعلاف النسبة الأكبر من التكلفة على المربين، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود والخدمات البيطرية. فيما يزيد تراجع أعداد المربين وضعف إنتاج الأعلاف محلياً من حدة الأزمة.
مقابل سياسات حكومية جامدة وعاجزة على مستوى تأمين الأعلاف (إنتاج محلي كافٍ أو استيراد وتوزيع مراقب بالجودة والسعر)، وعن ربط المزارعين بالمربين بعقود إنتاج تكفل استقراراً نسبياً.
وفي ظل استمرار هذا الواقع يُضطر المربون إلى التخلي عن جزء من قطعانهم (أحياناً النصف) بأسعار بخسة واستغلالية للتجار، ليتمكنوا من الاستمرار بتربية المتبقي.
التصدير وسط الجوع
إذا كان كل ما سبق مؤلماً، فالأسوأ هو سياسة التصدير. ففي 1 تموز 2025، تم تصدير 5000 رأس من غنم العواس إلى السعودية من مرفأ طرطوس. وفي أيار من العام نفسه، جرى تصدير 10 بواخر إلى السعودية، بلغ عدد المواشي فيها، بحسب مديرية زراعة طرطوس، 75,650 رأساً. كما صُدِّرت باخرة إلى ليبيا تحمل 10,000 رأس من ذكور أغنام العواس.
ولم تكتف الحكومة بذلك، فقد سمحت وزارة الزراعة بتصدير 200,000 من أغنام العواس والماعز الجبلي، مع إمكانية زيادة هذا العدد بحسب تأثير التصدير على الأسعار، وكأنها لم تصل بالفعل إلى مستويات قياسية!
ومع نهاية شباط ومطلع آذار 2026، غادرت سفينة محملة بنحو 11,000 رأس إلى السعودية.
ومن المتوقع خلال الفترة القادمة الإعلان عن دفعات تصديرية جديدة خاصة بعيد الأضحى، مع استمرار النزف عبر أقنية وشبكات التهريب.
وكل ذلك يتم من دون إحصاءات لعدد القطعان في إطار الخسائر الكبيرة التي تتعرض لها. فهل يحتاج المواطن إلى مزيد من الأدلة على التناقض والاستهتار؟
أزمة إدارة
لا يمكن وصف الواقع الحالي لقطعان المواشي والمربين إلا بكارثة إدارة. فالمعطيات المتاحة يمكن مواجهتها بخطوات حقيقية؛ ترشيد التصدير وضبط التهريب، وتخفيض تكاليف النقل، وتنظيم الزراعة وتخصيص مساحات لإنتاج الأعلاف، ودعم المشروعات الإنتاجية سواء للتربية أو للأعلاف، والأهم توفير الأعلاف بأسعار مقبولة (إن لم تكن مدعومة) وبكميات كافية وجودة ومواصفة مضمونة.
لكن بدلاً من ذلك، نرى «تباهياً» بتصدير آلاف المواشي إلى الخارج وكأن الأمن الغذائي والقومي للسوريين لا يساوي شيئاً.
فإلى متى ستظل لحوم سورية تهرب وتُصدَّر لتنعم باستهلاكها الأسواق الخارجية، بينما ملايين السوريين يمنعون ويحرمون منها في ظل استمرار معاناتهم من انعدام الأمن الغذائي؟
وإلى متى سيظل المربون من دون حماية يعانون من استنزاف قطعانهم وتكريس خسارتهم عبر استغلال ظروفهم الاضطرارية من قِبل حيتان السوق والمهربين؟
وإلى متى ستبقى الإحصاءات مغيبة (إن وجدت أصلاً)، والسياسات قاصرة، والوعود حبراً على ورق؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1275
فرح شرف