إزالة البسطات... قرار تنظيمي عادل أم تعدٍّ على المفقرين؟!
حملات المحافظات والبلديات لإزالة البسطات وإشغالات الأرصفة في عموم المدن والمحافظات السورية ليست جديدة، ولكنها تفشل في كل مرة، ذلك لأن قرار الإزالة «الإداري»، يصطدم في كل مرة بالواقع المعيشي. فقد تحولت «البسطة» خلال أعوام الأزمة إلى شبكة أمان اجتماعي غير رسمية. وقرارات الفصل التعسفي بعد سقوط سلطة الأسد لم تحقق زيادة في نسب البطالة فقط، والتي تتجاوز 60%، بل جعلت البسطة نتيجة انعدام فرص العمل الوسيلة الأقل كلفة. ففي ظل غياب شبكة حماية حكومية فعالة، أصبحت البسطة أشبه «بمظلة حماية مؤقتة للمهمشين».
فالبائع لا يرى في البسطة «مخالفة» بل يرى فيها «قوت يومه». وطالما أن كلفة المخالفة (الغرامة أو المصادرة) أقل من كلفة الجوع، فإن البائع سيعاود الكرة؛ فالجوع دافع أقوى من القانون (إن وجِد). ما يخلق حلقة مفرغة كلما اشتدت الحملات، زاد يأس الباعة، وازدادت صلابتهم في الدفاع عن مصدر رزقهم الوحيد، ما يدفعهم إلى الاحتجاج وتنظيم الاعتصامات بالضد من قرار المحافظة والبلديات.
تاجر الرصيف!
تتغاضى البلديات أو تجهل– ربما– أن قسماً ليس هيّناً من أصحاب المحال التجارية «المتضررين» من البسطات، هم من يملكون بعضها، ما يكشف عن توسع التجار نفسهم على حساب الملكية العامة.
فأصبحت البسطة بالنسبة إليهم أداة هيمنة على الرصيف لزيادة الأرباح، مما يخلق أيضاً منافسة غير متكافئة مع الباعة الأكثر فقراً، ويجعل مشكلة الإزالة أكثر تعقيداً.
فمكافحة بسطة تاجر يملك محلاً، يختلف تماماً عن إزالة بسطة تتعيش منها أسرة مفقرة.
نقل الفقر إلى مكانٍ آخر
تخطط المحافظات لتنفيذ نقل البسطات إلى أماكن خارج التجمعات بأطراف المدن، وهي الخطوة التي أثارت الاستياء في صفوف أصحاب البسطات أكثر من غيرها، فوسط المدن وداخل التجمعات له قيمة اقتصادية عالية بالنسبة لهم، لضمّه الكتلة الأكبر من المستهلكين.
فنقل البسطة إلى الأطراف يعني موتاً اقتصادياً للبائع لأنه يبعده عن المستهلك، بالإضافة إلى محدودية مشاريع الأكشاك «الحضارية» عددياً، وبُعدها عن مراكز التسوق، وحتى كلفتها العالية، التي تظل خارج متناول القسم الأعظم من أصحاب البسطات المفقرين.
حلول عادلة
ستبقى قضية البسطات عامة وممتدة في كل المدن السورية، ولا يمكن حلّها على حساب من تعيلهم وتقيهم شرور العوز، أو بالإبقاء على ما تسببه من ازدحام وفوضى ونفايات، ما يتطلب حلولاً متوازنة تتضمن إنشاء أسواق شعبية في مواقع قريبة من تجمعات المستهلكين، بدلاً عن الأكشاك البعيدة والمكلفة، وإصدار تصاريح مؤقتة، مع فرض رقابة على الالتزام بالنظافة وبحدود تمنع ابتلاع الأرصفة أو تعرقل السير، ويبقى الشرط الأساسي بأن تكون البسطة هي المصدر الوحيد للدخل لمن يعمل بها، لمكافحة استغلال التجار للأرصفة، مع برامج إقراض لتحويل البسطة إلى مشروع متناهي الصغر منظم ومراقب ومحمي.
فالبسطة ليست خياراً، بقدر ما هي استجابة لواقع معيشي متردٍّ، ولذا لا يمكن إنهاء هذه الظاهرة من دون سياسات اقتصادية تحد من البطالة ومن التضخم وتدعم الإنتاج المحلي، ولا سيما الزراعي والصناعي.
المعركة ليست بين حق المدينة في النظام والنظافة، وحق المفقرين بالعمل. فما يحصل هو انعكاس للانهيار الاقتصادي ما يحكم مسبقاً على أي حملة إزالة بالفشل ما لم تترافق مع خطة اقتصادية متكاملة توفر لصاحب البسطة بديلاً حقيقياً يحفظ كرامته ويؤمن معيشته، وإلا ستبقى البسطات كالنبتة البرية تُقتلع من مكان لتنبت في آخر، لأن جذورها (الفقر والبطالة) لا تزال تمتص ما تبقّى من حياة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1268
سارة جمال