التمريض، قطاع حيويٌ يحتضر بمنهجيةٍ مُتعمدة...!
رهف ونوس رهف ونوس

التمريض، قطاع حيويٌ يحتضر بمنهجيةٍ مُتعمدة...!

على ما يبدو أن الحكومة في سورية تتعمد إهمال القطاع الصحي، الذي بات على مشارف الانهيار العام والتام، يتأرجح من بقي فيه على شفير الموت، تعباً، أو جوعاً، دون أدنى حسّ بالرحمة، أو الإنسانية، قبل القول حسّ بالمسؤولية!

فقطاع التمريض الهام الذي يُعد عصب المنظومة الصحية، بات منهكاً وذليلاً ومن منسيّات الحكومة، حاله كحال العديد من القطاعات العامة.
والسؤال: لماذا تستمر الحكومة بسياساتها التطفيشية المتعمدة المفقرة؟!


واقع المهنة


تشهد مهنة التمريض تحدياتٍ تهدد بتدمير ما تبقى من قدرات النظام الصحي، في وقت تكاد تخلو فيه المشافي والمراكز الصحية من هذه الشريحة، أمام تراجع معدل رفد الكوادر الجديدة والهجرة المستنزفة للقوى العاملة.
فتعاني مهنة التمريض في سورية من تحديات ممنهجة، تقف عائقاً أمام أي محاولة للتعافي والنهوض بخدمات الرعاية الصحية، ولعل أبرز التحديات بعد انهيار البنية التحتية بشكل شبه كامل، ما يلي:
نقص الكوادر التمريضية، فسورية تواجه عجزاً في أعداد الممرضين، خاصة في المناطق الريفية والنائية، وبعد قرارات الفصل التعسفي، مع ضعف الإقبال على دراسة التمريض بسبب النظرة المجتمعية (الدونية) وتراجع ترتيبها الاجتماعي، مقارنة بغيرها من المهن ذات القيمة الاجتماعية الأعلى، بالإضافة إلى سياسة الأجور التطفيشية التي تسببت بهجرة الكفاءات بحثاً عن الأفضل أو الاستقالة، ويتفاقم أثرها مع تراجع معدل التجديد للكوادر، حيث لم يتجاوز 4% سنوياً وفق منظمة الصحة العالمية.
أجور متدنية لا تسد الرمق، حالهم كحال كل رواتب القطاع العام التي لا تغطي حاجات المواطن الأساسية، بالإضافة إلى طبيعة عمل خجولة لا تتعدى نسبة 4% في حين فئات أخرى من العاملين في قطاع الصحة كالأطباء وفنيي الأشعة والتخدير والصيادلة تصل طبيعة عملهم إلى 100% شهرياً!
فهذا التمييز بين مكونات العمل الواحد أدى إلى ظاهرة الملوث النفسي في بيئة العمل.
لا حوافز ولا تعويضات للأخطار المهنية، مثل: بدل العدوى والسهر، وبدل الاختصاص والأعياد والعطل، رغم قيامهم بأعمال مجهدة، وهم على احتكاك مباشر بالمرضى، وفي مواجهة مباشرة ومتواصلة مع الأمراض المعدية والفتاكة!
فأمام هذا الكم الهائل من العمل المُلقى على عاتقهم، لا بد من إنصافهم، وهذا للأسف بات من منسيات الجهات المعنية، التي تعتبر مهنة التمريض خارج سلم أولوياتها!
لا يوجد توصيف وظيفي للمهنةيحدد المهام وعدد ساعات الدوام التي وصلت إلى 48 ساعة أسبوعياً، حسب شكاوى الغالبية من الممرضين والممرضات، وهذا يعد مُخالفاً للمعايير العالمية المحددة بـ 40 ساعة أسبوعياً كحد أقصى، خاصة أن لديهم نظام مناوبات قاسٍ.
نقص المعدات الطبية والأدوية.
ضعف النظام التعليمي والتدريب في المناهج في بعض كليات ومعاهد التمريض التي تحتاج إلى تحديث.
قلة برامج التدريب المستمر والتطوير المهني.
الاعتداءات اللفظية أو الجسدية التي يتعرض لها الممرض/ة من بعض المرضى أو ذويهم دون رادع قانوني لحمايتهم!
عدم تفعيل دور نقابة التمريض الفاعل والمؤثر في إنصاف الكادر التمريضي وعدم إقرار النظام الداخلي والمالي للنقابة.


أرقام تكشف حجم الكارثة


خلّفت سنوات الحرب تشوهات جسيمة، تسببت بتفكك هيكلي عميق في جسد النظام الصحي وتراجع الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، حسب دراسة حديثة صدرت عام 2025 بعنوان «النظام الصحي في سورية (2000-2024) تجميع قطع نظام مفتت».
وبالعودة لعام 2012 تبين انخفاض الإنفاق الحكومي بشكلٍ تدريجي من الناتج الإجمالي المحلي ليصل إلى 3,05% مقارنة بـ 12% عام 2003، ما يعني أن الحرب ساهمت في هذا التراجع حسب بيانات البنك الدولي، وبفضل السياسات الحكومية الماضية دون رادع، ولا مانع، وانعكاساتها بكم الاستقالات الكبير، والتسرب الواضح الذي عانى ويعاني منه هذا القطاع.
وتكمن المشكلة في هذا القطاع المنكوب أيضاً بسوء توزيع الكوادر الموجودة، بسبب سوء التخطيط الحكومي، وتداعيات كل ما سبق بشكلٍ سلبي بدءاً بانخفاض العناية التمريضية، بسبب ضغط العمل الناتج عن نقص اليد العاملة، مروراً بالخطر على حياة المرضى، وانخفاض حالات الإنقاذ، وبالتالي ارتفاع معدل الوفيات وانتهاءً بزيادة تردي وتراجع الخدمات الصحية والقطاع الصحي عموماً.


المطالب المُحِقة


العاملون في هذا القطاع (ممرض أو ممرضة) ليسوا فقط الساعد الأيمن للطبيب، سواء في المستشفيات، أو المراكز الصحية، بل هم العمود الفقري للنظام الصحي دون مبالغة، بما يُفرض عليهم من واقع عمل مجهد من العمليات، إلى متابعة المرضى والتحاليل والضمادات والمراقبة والأدوية.
فالمطلوب اليوم، تحسين الرواتب بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وإعادة النظر في الحوافز وزيادتها للعاملين في المناطق النائية، أو التخصصات الحرجة، كما طبيعة العمل شأنهم شأن الأطباء بما يحقق المساواة في هذه النسبة (مع غياب العدالة الأجرية) كونها ترتبط بالعمل المجهد، بالإضافة إلى تعويض الأخطار المهنية، بما يتناسب مع حجم المسؤولية التمريضية، وعدد ساعات العمل (وفق النظام التجميعي) يما يحقق حياة كريمة للممرض، كذلك إقرار التوصيف الوظيفي، وتحديد المهام بشكلٍ واضح، والأهم، تفعيل دور نقابة التمريض والمهن الصحية بالمساعدة المركزية، وإقرار النظام الداخلي والمالي للنقابة، مع إحداث صندوق للمتقاعدين وتأمين صحي لهم بالإضافة إلى صندوق مخاطر المهنة، بإجراء انتخابات لتعيين أصحاب الخبرات ليكونوا صوت الممرضين ويعملون للدفاع عن حقوقهم.
ناهيك عن تأمين الحماية القانونية لهم من خلال قانون خاص يُحرّم الاعتداء على الكادر الطبي مع عقوبات رادعة لضمان سلامته وكرامته.
فهل يُعقل أمام هذا الجهد الإنساني العظيم والسهر الطويل، مع ضغط نفسي وجسدي مستمر، أن يُحرموا من أبسط حقوقهم وكأنهم آلات لا بشر؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266