عناوين أطروحاتكم ليست لكم.. أين ميثاق الشرف الأكاديمي؟!
عادوا بعد انقطاع دام سنوات، حاملين معهم أحلامهم ورغبتهم في استكمال مسيرتهم العلمية، ليتفاجأ طلبة الماجستير والدكتوراه- كانوا قد فُصلوا في مرحلة الأطروحة- بأن طلبة آخرين حصلوا على مواضيع أبحاثهم العلمية، بل وتمت مناقشتها أمام لجان تحكيم معتمدة.
فهل تجاوز الأمر كونه خطأً إدارياً، أو هفوة تنظيمية، ليكشف وجهاً آخر لفساد متأصل منذ عهد سلطة النظام البائد، «البعيد كل البعد» عن العفوية والمصادفة البحتة؟!
أكد الطلاب: أن المرسوم 98 الصادر في حزيران من العام الماضي أعادهم إلى الجامعة، وبالتالي أصبح بإمكانهم مناقشة أطروحاتهم السابقة. لكن عند مراجعتهم الكليات المعنية للاستفسار عن وضعهم الدراسي والاطلاع عليه، أُبلغوا بأن أبحاثهم مُنحت لطلبة آخرين. وطالبوا بضرورة إنصافهم، خاصة أن المرسوم منحهم سنة واحدة فقط، اعتبروها غير كافية لإنجاز بحث جديد، وذلك بحسب صحيفة «الوطن» بتاريخ 10/2/2026.
هذه المشكلة، وإن بدت محدودة حالياً، إلا أنها تحمل في طياتها دلالات خطيرة. ففي عهد سلطة النظام البائد، كانت الأمور تبدو أكثر انضباطاً، ليس لأن الفساد لم يكن موجوداً- لا سمح الله- بل لأنه كان منضبطاً بضوابط السلطة الاستبدادية نفسها، كي لا يظهر إلى العلن.
اليوم، ومع تغيّر الإدارات واحتمالية فقدان جزء من البيانات، والفوضى المصاحبة لأي تحوّل، خرجت أشباح الفساد من جحورها، وظهرت نتائج ما اقترفته من بشاعة.
وعليه، لا يمكن اختزال الأمر بخلل تقني في حفظ البيانات أو تقصير إداري «كخطأ بشري»، لأن ما جرى يفتح الباب أمام احتمال وجود شبكة فساد منظمة وواسعة تتاجر بالعناوين، كما لو كانت بضاعة في سوق نخاسة أكاديمية، من دون حماية لحقوق الملكية الفكرية. وهذا يخلق بيئة خصبة لاستباحة جهود الباحثين، ليأتي أي موضوع على طبق من ذهب، من دون بذل جهد، فتُسرق- بالتعاون مع بعض الأساتذة، إما محاباةً أو بصفقات تجارية- إنتاجات الطلاب القدامى الفكرية، وهو ما يفترض أن يحميه القانون.
وهنا يبرز سؤال مُلحّ: هل تحمي القوانين في سورية، مثل: هذه الملكيات؟
وما مصير المعتدين على الملكية الفكرية داخل الجامعات؟
إن نسبة العفوية في هذا الواقع تبدو ضئيلة، مقابل احتمالية وجود شبكة منظمة للنهب والفساد ما زالت تتاجر بأحلام الشباب السوري وطموحاتهم.
لذا، على الجهات المعنية أن تتحمل مسؤولياتها، من الكليات إلى الجامعات، وصولاً إلى وزارة التعليم العالي، عبر تنسيقٍ فعليّ فيما بينها. فالمطلوب ليس معالجة آنية، أو ترميم ثقوب المشكلة الظاهرة حالياً فحسب، بل وضع خطة شاملة تمنع تكرار هذا السيناريو مستقبلاً، لما له من انعكاسات خطيرة على مصداقية الجامعات السورية وسمعتها الأكاديمية التي بُنيت عبر عقود من العمل.
إن سرقة عنوان رسالة علمية ليست مجرد اعتداء على جهد فردي، بل هي اعتداء على الفكر الإنساني ذاته، وتفريغ للبحث العلمي من قيمته الأخلاقية قبل العلمية. فهذه اللحظة التاريخية تتطلب إعادة النظر في آليات تسجيل العناوين- خاصة أن المشكلة ظهرت رغم محدودية عدد الطلاب والرسائل المُقرّة- وتعزيز حماية الملكية الفكرية، وبناء نظام معلوماتي متكامل، يجعل تكرار العناوين أمراً مستحيلاً، ويحوّل بيعها إلى جريمة موثّقة لا يمكن إنكارها.
فإما حماية المسار الأكاديمي للطالب، وإما تركه فريسة لحيتان الفساد التي تسرق الأحلام قبل أن تتحقق.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266
رشا عيد