التأخر في زيادة الرواتب... آمال مؤجلة وتضخم مرتقب وتآكل الثقة!

أطلّ علينا في 3 أيلول 2025 وزير المالية، محمد يسر برنية، خلال فعاليات معرض دمشق الدولي، وبشّر العاملين في قطاعيّ التربية والتعليم بزيادة مرتقبة خلال «أسابيع» قادمة، وها قد مرّت 5 أشهر، أو بالأحرى 22 «أسبوعاً» ولم تأتِ هذه الزيادة المرتقبة.

وقد وجد الموظف نفسه أمام خطاب رسمي متذبذب يفتقر إلى الجدية والشفافية؛ فالتصريحات المتكررة بشأن زيادة الرواتب، والتي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، تُعد عاملاً رئيسياً في أزمة مصداقية مؤسسات الدولة.
فالمواطن، الذي يرى في هذه الوعود بصيص أمل لتحسين ظروفه المعيشية، سرعان ما يصاب بخيبة أمل في خضم التأجيل والتسويف. هذه الحالة من «الوعود المعلّقة» لا تؤدي إلى الإحباط فقط، بل تتراكم لتخلق شعوراً عاماً بعدم الثقة في مؤسسات الدولة.
فيما يُضعف هذا التذبذب من مصداقية القرارات، ويُمهد الطريق لتكوين شعور عام بعدم اليقين والشك في نوايا الحكومة، ليس على صعيد القطاعات الموعودة بالزيادة فحسب، بل بالنسبة للقطاعات كافة.
وتبرز في هذا السياق، بعض الردود الرسمية التي تعكس نمطاً من التهرب من المسؤولية، وتُعمّق من أزمة الثقة القائمة. فعندما يُختصر جواب المكتب الإعلامي لوزارة المالية على الاستفسارات حول التأخر في زيادة الرواتب بالقول إن «الوزير مسافر»، وفق ما أفادت به صحيفة «الثورة» في 3 من شباط الحالي، فإن هذا التبرير لا يعدو كونه ذريعة واهية بالنسبة للموظف الذي احترقت أعصابه في انتظار الزيادة.

وإن كانت الزيادات «الموعودة» لم تتحقق لقطاعين حيويين، فماذا عن باقي القطاعات؟ هل سيضطر موظفوها لانتظار «أعوام قادمة» حتى تنالهم منّة الزيادة؟
فالضبابية وغياب إجابات شفافة ومقنعة ليس خياراً محايداً، بل بمثابة استجابة سلبية تُفاقم من حالة الإحباط والقلق. كما ساهمت الحال هذه في انتشار الشائعات والتأويلات، ما عزز من شعور المواطن بأن حقوقه مهضومة، ومعاناته غير مسموعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعاملين في قطاعات حيوية، كالصحة والتعليم، وهم الذين يشكلون عماد الدولة.


مخاوفٌ من الزيادة


لم يخلُ وقع خبر الزيادة من مخاوف عدة؛ فقد اعتاد المواطن أن تترافق كل زيادة في الرواتب مع ارتفاع جديد في الأسعار، يلتهم الزيادة، وربما أكثر، ولا سيما بعد الارتفاع الكارثي في تعرفة الكهرباء، ما يجعل أي زيادة في الرواتب من دون إجراءات مضادة للتضخم تُبتلع خلال أسابيع قليلة.
فمن دون كسر الاحتكارات، ومحاسبة حقيقية للمتلاعبين بالأسعار، وتنفيذ سياسات نقدية جدية وفعالة تساهم في استقرار سعر الصرف، لا يمكن لأي زيادة أن تُحقق هدفها، والأهم من ذلك كله، هو إعادة إقلاع القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعة والزراعة، التي تُعد استثماراً طويل الأجل في استقرار الأسعار والنمو الاقتصادي، ما يُشكل الأساس المتين لأي زيادة مستدامة في الرواتب.

فالحل لا يكمن في زيادة رقمية معزولة، بل في تغيير اقتصادي- اجتماعي متكامل يعالج جذور الأزمة، ويضمن استعادة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن عبر الوفاء بالالتزامات والوعود، والشفافية في الإدارة. كما أن بناء الثقة ليس مجرد شعار؛ فهو أساس لضمان الاستقرار، وركيزة أساسية لعلاقة قوية ومستدامة بين مؤسسات الدولة والمواطنين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1264