فرح شرف فرح شرف

ظاهرة «النباشين...» بين التلوث البيئي وإمكانيات الحلول

تُمثل ظاهرة «النباشين» تعبيراً مأساوياً عن تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، حيث دفعت الظروف المعيشية الصعبة الفئات الهشة، ولا سيما الأطفال والأسر الفقيرة، إلى مزاولة أعمال غير منظمّة لضمان البقاء على قيد الحياة.

ورغم الدور الذي بات يلعبه «النباشون» في سلسلة إعادة التدوير، ولو بصورة غير رسمية، فإنهم يجدون أنفسهم في منطقة رمادية على الصعيد القانوني، ولا تشملهم حتى فئة «العاملين في أعمال عرضية» بحسب القانون رقم 17 لعام 2010 لتنظيم علاقات العمل.


إشكالية التصنيف


تُصنّف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل «النباشين» ضمن فئة المتسولين. ويُعد الخلط بين ظاهرتين متباينتين عقبة رئيسية أمام فهم طبيعة الظاهرة ووضع الحلول المناسبة لها.
فمن جهة، «النباشة» هي عمل منتج، وإن كان غير رسمي؛ فجمع وفرز وبيع المواد القابلة لإعادة التدوير من النفايات، رغم صعوبته وظروفه القاسية، إلا أنه يساهم في دورة الاقتصاد، ويُقلل من حجم النفايات المتجهة إلى المكبات، ويساهم أيضاً في توفير مواد خام، كما أنه يوفر مدخولاً للعاملين بها. فيما يعتمد المتسولون على عطاء الآخرين بدون مقابل أو إنتاج، وبالتالي لا يُساهمون في أي عملية اقتصادية.
وتصنيف الوزارة للنباشين كمتسولين، يشير إلى أن التدخلات الرسمية– إن حصلت– ستقتصر على برامج الإغاثة أو إبعادهم عن الشوارع، من دون الالتفات إلى الجانب الاقتصادي لعملهم. وبالتالي تتنصل الوزارة من حمايتهم أو تنظيمهم بوصفهم عمالاً، خاصة وأن «النباشة» هي استجابة لأزمة البطالة وغياب فرص العمل، وفشل الدولة المزمن في توفير شبكات أمان اجتماعي.


مساهمة خفيّة وتداعيات وخيمة


في ظل القصور والترهل الذي تعاني منه مختلف المحافظات والبلديات، يلعب «النباشون» دوراً فعلياً في تخفيف العبء تحديداً عن سكان المناطق الأكثر تضرراً من تراكم النفايات.
وقد باتوا يشكلون حلقة وصل حيوية في سلسلة التوريد للمواد المُعاد تدويرها، ويوفرون مواد أولية رخيصة الثمن لبعض الصناعات، مما يقلل من تكاليف الإنتاج.
ولكن لا يخفى كم الآثار السلبية عليهم وعلى المجتمع كله. ولعلّ أبرز هذه السلبيات هو استغلال العمالة الرخيصة، ولا سيما الأطفال، حيث يعملون في ظروف غير صحية وخطِرة، معرضين للإصابات والأمراض المزمنة. ما يعزز من دورة الفقر، ويسلب هؤلاء الأطفال مستقبلهم، ويفاقم المشكلات الاجتماعية.
بالإضافة إلى اتسام عملهم بالفوضوية، وما يتسبب به من تلويث وانتشار القمامة حول الحاويات وعلى أطراف الطرقات وداخل الأحياء الضيقة. فعملية الفرز العشوائية تخلّف بقايا النفايات غير القابلة للتدوير، ما يشكل بيئة خصبة للحشرات وينشر الروائح الكريهة، ويزيد من مخاطر الأمراض والأوبئة، بالإضافة إلى التلوث البصري.


التجربة البرازيلية نموذجاً


تُعد تعاونيات جامعي النفايات، والحركة الوطنية لجامعي المواد القابلة لإعادة التدوير، والتي انطلقت في العام 2003 في البرازيل، نموذجاً رائداً في تحويل جامعي النفايات غير الرسميين إلى قوة عمل منظمة. حيث توفر لهم التعاونيات إطاراً قانونياً واجتماعياً، بالإضافة إلى التدريب على كيفية التعامل الآمن مع النفايات، وتحسين ظروف العمل.
لم يساهم هذا النموذج في تحسين الوضع المعيشي فقط لجامعي النفايات، بل ساهم أيضاً في تحسين كفاءة الجمع والترحيل وإعادة التدوير، والتقليل من التلوث البيئي، وتوليد حركة اقتصادية تقترب من 11,6 مليار دولار في قطاع إعادة التدوير.


معالجة حقيقية


بإمكان الحكومة ووزارة الشؤون الاجتماعية الاستمرار في تجاهل «النباشين»، أو التعامل معهم كمشكلة مزعجة «حضارياً» ويجب التخلص منها، ولكن في المقابل يمكنهم توسيع البيكار والنظر إليهم بوصفهم فرصة لإعادة التفكير في كيفية إدارة النفايات وتحقيق العدالة الاجتماعية.
فهذه الظاهرة هي جزء لا يتجزأ وعَرض من أعراض الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد والمجتمع. وتتطلب معالجتها إرادة رسمية حقيقية، قادرة على تحقيق نقلة من منطق الإنكار والتهميش إلى منطق الاعتراف والتنظيم والإدماج، بما يضمن الحفاظ على الكرامة الإنسانية وتحويل هذا العمل من نشاط هامشي مضر بالبيئة والمجتمع إلى جزء من الحل البيئي والاقتصادي الشامل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1264