سلمى صلاح سلمى صلاح

حمّى الاستثمار... أين موقع الإنتاج والتنمية في مشاريع الترفيه والرفاهية؟!

منذ ما يزيد عن العام والشعب السوري لا يسمع إلا عن استثمارٍ هنا وآخر هناك، حتى أصبحت عناوين الصحف تعجّ بأخبار الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والاستثمارات المليارية، التي لا تنسى تذكير الشعب دائماً أنها موجهة إليه، وأن تخليه عن المرافق العامة، و«الدولة الأبوية» سينتشله من قاع الفقر!

إلا أن «حمّى الاستثمار» الحالية تعكس استمراراً للنموذج الاقتصادي الريعي، الذي كان عزيزاً وغالياً على قلب السلطة الساقطة، حيث المصالح قصيرة الأمد للنخبة وحيتان المال تسبق مصالح الشعب والتنمية.
فما سمي «ببوليفارد النصر» في حمص ليس أكثر من تغيير اسم مشروع «حلم حمص» عام 2005، وما يروّج له على أنه إعادة تنظيم عصرية للمدينة تراعي البيئة، لا يبدو أكثر من شعار، خاصة أنه يستكمل الهدف من المشروع القديم؛ أي تحويل مركز المدينة إلى منطقة سياحية وترفيهية على حساب البنية الاجتماعية.
أما في حلب، على سبيل المثال، فتُعرض مساحة تزيد عن 189 ألف متر مربع في المحلق الغربي، الذي يعد مقصداً شعبياً لأهل المدينة، لاستثمارها «ترفيهياً»، وإنشاء حدائق وملاهٍ وملاعب ومحطات وقود ومطاعم.


الأنماط الاستثمارية


يتبنى القسم الأعظم من الاستثمارات المطروحة، في عموم المحافظات السورية، منطق الاستثمار الريعي قصير الأمد، والتركيز على تحقيق أرباح سريعة، مخصصة لفئات محدودة من المستثمرين وأصحاب الأرباح، ويغيب عنها الرؤية التنموية.
ويتكرر فيها نمط خصخصة المرافق العامة، الذي يحول المساحات العامة إلى أدوات للربح الخاص، ويقلل من المساحات الخضراء المتاحة بشكل مجاني للمواطنين.
كما يعكس غياب الاستثمار الإنتاجي والتركيز على القطاعات الخدمية غير المنتجة مشكلة هيكلية؛ فبدلاً من الاستثمار في الصناعات التي تنتج سلعاً مادية أو تقدم خدمات ذات قيمة مضافة عالية مثل البحث والتطوير، تتجه الرساميل نحو المشاريع السياحية، والمنتجعات الفاخرة، ومراكز التسوق.
وهذا يعني ضعف القاعدة الصناعية، والاعتماد المفرط على الواردات، وصعوبة في خلق فرص عمل، كما أنه يعيق الابتكار والتطوير التكنولوجي، ويجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية.


تناقضات هيكلية


يُعمّق هذا النمط الاستثماري من أزمة القدرة الإنتاجية، ويفسح مجالاً أكبر للاستيراد العشوائي، ويوسع أبواب التهريب الذي يُكبد الصناعة الوطنية والاقتصاد خسائر فادحة.
وتتضح هذه التناقضات بالنظر إلى الفجوة بين الدخل والتكاليف المعيشية؛ فعندما لا يتجاوز الحد الأدنى من الأجور 750 ألف ليرة (65 دولاراً)، بينما تتجاوز فاتورة الكهرباء في أحيان كثيرة 80% من متوسط الدخل، هذا يعني أن الغالبية العظمى من السوريين تُكافح لتغطية أبسط احتياجاتها، وتُجبر على التضحية بجوانب أساسية أخرى، في ظل غياب بدائل إنتاجية لتوليد الدخل.
وبالنظر أيضاً إلى نسب البطالة المرتفعة، التي تتجاوز 60%، نجد أن فرص العمل «الموعودة» تقتصر على وظائف هشة في قطاعات خدمية لا تُقدم ضمانات اجتماعية أو حتى رواتب مجزية.
ولا يشير ذلك فقط إلى غياب رؤية شاملة واستراتيجية تربط السياسات الاقتصادية باحتياجات المواطنين والتنمية المستدامة، بل يعكس انفصالاً تاماً بين أولويات الاستثمار وأولويات المعيشة.


المفارقة!


تكمن المفارقة في تجاهل القطاعات الإنتاجية الحيوية، ولا سيما الزراعة والصناعة. ففي ظل المؤشرات الاقتصادية- الاجتماعية الكارثية، تُظهر السياسات «الاستثمارية» انفصالاً خطِراً عن واقع المجتمع واحتياجاته الملحة.
ما يُنذر باستمرار الأزمة، التي يتطلب الخروج منها تحولاً جذرياً في النموذج الاقتصادي، يقطع مع السياسات الليبرالية للسلطة السابقة، ويركز على العدالة الاجتماعية، وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وحماية الممتلكات العامة كحق أساسي للمواطنين، خصوصاً الأكثر فقراً، الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من السوريين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1264