عن أي ثقة يتحدث حاكم المركزي؟
في منشور له بتاريخ 6 شباط 2026، دعا حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر حصرية إلى «تعزيز الثقة في القطاع المالي» معتبراً أن هذه الثقة هي «حجر الزاوية لاستقرار الاقتصاد» وأن المصرف المركزي يعمل وفق قيم وسياسات تهدف إلى ترسيخها، داعياً إلى تعاون جماعي بين المصرف المركزي والقطاع المالي والشركات والأفراد لبناء بيئة اقتصادية أكثر استدامة وشفافية.
يقول الحاكم في منشوره: «الثقة في القطاع المالي هي الطريق نحو مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وازدهاراً للجميع». ويؤكد أن رؤية المصرف المركزي هي أن يكون «ركيزة الاستقرار والثقة في الاقتصاد الوطني».
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل تُبنى الثقة بالخطاب... أم بالسياسات والنتائج الملموسة؟
الثقة لا تُطلب... بل تُكتسب
الثقة بالقطاع المالي ليست شعاراً يُرفع، ولا نداءً أخلاقياً موجهاً للمواطن، بل هي حصيلة تجربة يومية يعيشها الناس مع المصارف، والأسواق، والدخل، والأسعار.
كيف يُطلب من المواطن الثقة بينما:
سياسة حبس السيولة ما تزال واقعاً عملياً يخنق السوق ويعطل الدورة الاقتصادية؟
السوق الموازي يتحكم بسعر الصرف أكثر من المصرف المركزي؟
المضاربة والاحتكار تحقق أرباحاً هائلة على حساب الاستقرار النقدي والمعيشي؟
«السوق الحر التنافسي» حاضر في الخطاب، وغائب في التطبيق؟
الثقة لا تُبنى حين يشعر الناس أنهم الطرف الأضعف دائماً، ولا حين تكون السياسات النقدية عبئاً عليهم بدل أن تكون أداة لحمايتهم.
سعر الصرف... من يديره فعلياً؟
رغم الحديث عن الاستقرار النقدي، ما زال سعر الصرف يُدار عملياً خارج أدوات المصرف المركزي، عبر سوق موازٍ تتحكم به شبكات مضاربة، مستفيدة من؛ نقص السيولة- غياب بدائل تمويلية- وانعدام قنوات شفافة لتأمين القطع الأجنبي.
في ظل هذا الواقع، يصبح التدخل الرسمي محدود الأثر، بينما يدفع المواطن والمنتج ثمن تقلبات لا يد له فيها.
استبدال العملة... القرار شيء والواقع شيء آخر
من أبرز الأمثلة على فجوة الخطاب والتطبيق، ملف استبدال العملة القديمة.
فالعملية، عملياً، محكومة بتوفر السيولة من العملة الجديدة في المراكز المعتمدة، لا بسقف الاستبدال المعلن رسمياً.
وهنا تتآكل الثقة مجدداً... قرار يُعلن- تطبيق ناقص- ونتيجة تمييز فعلي بين من يستطيع الوصول إلى السيولة ومن لا يستطيع.
أجور بلا قيمة وتضخم بلا كوابح
في الوقت الذي يُطلب فيه «التكاتف لبناء الثقة»، يعيش المواطن واقعاً مختلفاً:
الأجور بالكاد تكفي فاتورة الكهرباء.
التضخم مستمر ويتفاقم.
القوة الشرائية تتآكل.
والمستوى المعيشي يزداد تدهوراً.
أكثر من 90% من السوريين اليوم تحت خط الفقر، وغالبية الأسر باتت دون الحد الأدنى للأمن الغذائي.
فكيف يمكن الحديث عن ثقة مالية في ظل انعدام الأمان المعيشي؟
الإنتاج الحقيقي... الحلقة الغائبة في خطاب الثقة
الأخطر في خطاب «تعزيز الثقة» أنه يتجاهل الحامل الحقيقي لقيمة الليرة؛ القطاع الإنتاجي الصناعي والزراعي.
هذا القطاع، الذي يفترض أن يكون مصدر القيمة المضافة، والداعم الحقيقي لسعر الصرف، والمنتج الفعلي للقطع الأجنبي، يعاني اليوم من:
شح التمويل.
ارتفاع كلف الإنتاج.
ضعف الطاقة والبنية التحتية.
غياب الحماية من الإغراق والتهريب.
صعوبات التصدير والتحويلات.
فلا ليرة قوية دون صناعة وزراعة قادرتين على الإنتاج والمنافسة. وأي سياسة نقدية لا تُسند بسياسة إنتاجية واضحة هي سياسة مؤقتة، قصيرة النفس.
من خطاب الثقة إلى سياسات الثقة
إذا كان المصرف المركزي جاداً في بناء الثقة، فإن الطريق واضح:
توجيه الائتمان نحو الإنتاج لا المضاربة.
فك الخناق عن السيولة التشغيلية.
ضبط السوق الموازي لا التعايش معه.
حماية المنتج المحلي.
وربط أي استقرار نقدي بتحسن فعلي في دخل الناس ومعيشتهم.
الثقة تُقاس بالنتائج لا بالنوايا
الثقة في القطاع المالي لا تبدأ بالمنشورات، بل تنتهي عند المواطن؛ حين يشعر أن عمله مُجدٍ، ودخله له قيمة، وسوقه عادل، ومؤسساته تعمل لصالحه لا ضده.
حتى ذلك الحين، سيبقى السؤال مشروعاً:
عن أي ثقة يتحدث حاكم المصرف المركزي... والواقع يقول عكس ذلك؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264