وسائل التدفئة غير الآمنة تحصد الأرواح في سورية، فمن المسؤول؟!
رشا عيد رشا عيد

وسائل التدفئة غير الآمنة تحصد الأرواح في سورية، فمن المسؤول؟!

نسمع يومياً عبر وسائل الإعلام المختلفة عن ارتفاع عدد ضحايا الحرائق وحوادث الاختناق مع اشتداد موجات البرد سعياً إلى تأمين القليل من الدفء.
فتآكل القدرة الشرائية للغالبية المفقرة من السوريين، دفعهم إلى استخدام وسائل التدفئة غير الآمنة على اختلاف مصادرها وأنواعها، لتتحول إلى قنابل موقوتة داخل المنازل، فمن الإنتاج المحلي أو المستورد من المدافئ إلى الاستخدام وشروطه الآمنة، هناك ثقب أسود يتسع لتستمر المأساة وما خفي عن أسبابها أعظم، فمن المسؤول؟!

حجم الكارثة


أعلن الدفاع المدني السوري في تصريح لصحيفة «عنب بلدي» بتاريخ 27/1/2026 «أن فرقه استجابت لـ 170 حريقاً في مختلف أنحاء البلاد خلال الفترة الممتدة بين 18-26 كانون الثاني الفائت، مُسجلاً حرائق مأساوية تضمنت وفيات وإصابات، مشيراً إلى أن الحادثة الأكثر مأساوية وقعت بتاريخ 22/1/2026 في مشروع السكن الشبابي في اللاذقية، نتيجة حريق بسبب اشتعال مدفأة غاز أودى بحياة الأب وطفلته».
كما ذكرت البيانات الصادرة عن وزارة الطوارئ والكوارث في مطلع العام الجاري، تصدر حرائق المنازل كأحد أبرز التحديات، حيث سجلت 3000 حريقاً منزلياً خلال عام 2025، فهذه البيانات تشير إلى أن الحرائق في المناطق السكنية تمثل العبء الأكبر على عمليات الاستجابة خاصة مع اشتداد البرد الذي يزيد مخاطر استخدام وسائل التدفئة غير الآمنة والضغط على شبكات الكهرباء المتهالكة أساساً، ما تم ذكره ليس مجرد أرقام وإحصائيات بل كارثة إنسانية تتفاقم أمام واقع معيشي واقتصادي خانق وسط غياب البدائل الآمنة.


واقع أليم


منذ بداية الشتاء، اختيار وسيلة التدفئة المناسبة هو ما يشغل أذهان آلاف السوريين خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء والمدافئ على اختلاف أنواعها، فتبدأ رحلة البحث عن البديل الأقل تكلفة، علماً أن جميعها ليست آمنة واقتصادية ما يجعلها نقمة، فإما مواجهة الصقيع بجيوب خاوية أو المقامرة على الحياة نفسها!
انتشرت خلال سنوات الحرب «الحصائر الكهربائية» كوسيلة للتدفئة حيث كان يتم استيرادها (سعرها مرتفع) أو تُصنع بطرق بدائية عبر ورش محلية عشوائية استخدمت أسلاك تسخين كهربائية رديئة لخفض التكاليف ما يؤدي إلى ضعف أداء العزل وتعرضها لمشاكل كالتلف وقصر الدوائر الكهربائية، كما لا يتوفر فيها جهاز حماية من الحرارة الزائدة ليتم فصل التيار الكهربائي تلقائياً تجنباً للحرائق.
كذلك انتشر مؤخراً جهاز «الكومبي» للتدفئة وتسخين المياه، حيث نقله عائدون من تركيا وأجريت عليه تعديلات ليعمل على أسطوانة الغاز وذلك من خلال ورش تجميع وتركيب غير آمنة ولا تخضع للرقابة.
أما (الخطر الداهم) كما وصفه الدفاع المدني، هو مدفأة الغاز التي تتفاوت أسعارها وأحجامها وجودتها، فخطورتها تكمن باستخدامها داخل غرف مغلقة واحتمالية تسرب الغاز غير المحترق فيؤدي للاختناق أو الانفجار أو انبعاث غاز أول أوكسيد الكربون (القاتل الصامت) عديم اللون والرائحة الناتج عن الاحتراق غير الكامل، وبالتالي افتقارها لشروط الاحتراق الكامل وتصميم الأمان، والأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة للمدافئ الكهربائية.


تعددت الأسباب والنتائج كارثية


لا يمكن تحليل هذه الأزمة بمعزل عن السياق الاقتصادي المأساوي لتدني قدرة المواطن المادية التي تدفعه إلى خيارات أرخص ولكنها أخطر، كما لا يمكن فصل هذا الواقع المرير عن قلة الوعي في كثير من الأحيان بشروط الاستخدام الآمن كضرورة التهوية الجيدة مع مدافئ الغاز وعدم تشغيل المدافئ الكهربائية على موزعات متعددة المقابس الرديئة فتؤدي إلى ماس كهربائي أو تركها مشتعلة أثناء النوم، فهذه المعادلة (الفقر+ قلة الوعي + وسيلة تدفئة غير آمنة) = كارثة مؤكدة.
حيث أكد المدير العام لمشفى دمشق الدكتور «محمد عزت الأكتع» في تصريخ لصحيفة «الثورة» بتاريخ 23/12/2025 «أنه مع ذروة المنخفضات تبدأ حالات الاختناق بالوصول إلى المشفى، مشيراً إلى أن شدة الحالات والأعراض تختلف حسب مدة التعرض للغازات السامة ونوعها، وارتفعت نسبياً خلال عام 2025».


إهمال رسمي يحصد الأرواح


كل ما ذُكر أعلاه لا يبرر غياب دور الرقابة الفعالة (هيئة المواصفات والمقاييس) على المصانع المحلية وعلى دخول الوسائل المستوردة بالتأكد من مطابقتها للمواصفات الفنية وجودتها والتزامها بمعايير الأمان والسلامة، فعامل الأمان الغائب هو جوهر الأزمة، فيجب التزام الهيئة بأداء دورها بفعالية وأمانة وتسيير جولات تفتيشية على المصانع المحلية في مختلف المحافظات وفحص عيّنة من الوسائل للتأكد من التزامها بالمعايير القياسية (كالحرارة، كفاءة الاحتراق وعناصر الأمان والسلامة)، مع تسيير جولات ميدانية لمخالفة ورش التجميع أو التصنيع البدائية العشوائية ومحاسبة القائمين عليها، بالإضافة إلى تفعيل دور الرقابة على الأسواق ومصادرة الوسائل غير المطابقة للمواصفات، كذلك تكثيف الرقابة على الحدود وضبط منافذ التهريب، كما زيادة حملات التوعية المجتمعية بمخاطر التدفئة غير الآمنة ونشر الإجراءات الوقائية عند الاستخدام أو لتجنب الحرائق والتصرف السريع الذي يصنع فارقاً حقيقياً لحماية الأرواح أو إنقاذها، هذه مسؤولية مشتركة تتطلب تكاتف الجهود المعنية، مع إنهاء السياسات الحكومية الظالمة بحق الغالبية المفقرة في البلاد.

فالتخلي الحكومي عن الدور المُفترض للدولة على المستوى الاقتصادي الاجتماعي، هو السبب الرئيسي لما وصل إليه حال هذه الغالبية من بؤس كارثي على مستوى معيشتها وخدماتها وصولاً إلى حال العوز والجوع الذي دفعها إلى الموت البطيء والسريع بشكل مباشر وغير مباشر من خلال سد منافذ الحياة بالنسبة لها تباعاً، ما يفرض عليها خيارات اضطرارية كارثية!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263