حرق النفايات، خطر يتصاعد بلا حلول مستدامة!
في مشهدٍ يكشف عمق الأزمة ودرجة الإهمال واللا مبالاة الرسمية، أصبح الدخان الأسود المتصاعد من المكبات العشوائية داخل الأحياء السكنية ومن بين المنازل وأمامها جزءاً من الحياة اليومية للسكان في دمشق وريفها.
فقد اعتمد السكان حرق القمامة بعد تراكمها كحلّ سريع في ظل غياب
الحلول المستدامة، مما يشكل خطراً صحياً وبيئياً وأثراً اجتماعياً واقتصادياً يهدد استدامة الحياة، وعليه فأزمة النفايات لم تعد مظهراً من مظاهر الإدارة الفاشلة فحسب، بل قضية وطنية ملّحة تستدعي المعالجة الجذرية والشاملة التي تحد من تراكم القمامة وتمنع اللجوء إلى حرقها.
ما السبب وراء حرق القمامة؟
لم تَمل الجهات المعنية (مديريات نظافة وبلديات ومجالس محلية) من التبرير لفشلها في إدارة ملف النفايات متذرعة بمحدودية الإمكانات ونقص الآليات وشح المحروقات وسط الأزمة الاقتصادية الراهنة، لتجعل منها غطاءً رسمياً للتقاعس عن وضع خطة واضحة وآلية شاملة لجمع النفايات والتخلص منها بطرق آمنة وصحية، وتوفير بنية تحتية كافية من حاويات وشاحنات ومعدات جمع بالإضافة إلى مواقع مخصصة للمعالجة أو الطمر الصحي مع جداول زمنية منتظمة لعمليات الجمع والترحيل والتنظيف.
فغياب هذه الآلية أدى ويؤدي إلى تراكم القمامة وانتشارها في الشوارع بشكل لا يمكن تحمله، ناهيك عن انتشار الحشرات والقوارض والروائح الكريهة نتيجة ذلك، مما يدفع البعض إلى حرقها ليتضاعف حجم الكارثة.
آثار كارثية، صحياً وبيئياً!
تتجاوز آثار حرق النفايات التلوث البصري والروائح الكريهة، فهذه السحُب المسمومة تُنتِج كارثة متعددة الأوجه.
فعلى المستوى الصحي والبيئي، ينتج عن الحرق العشوائي للنفايات وخاصة (البلاستيك، المطاط والنفايات الصلبة) مواد شديدة السُميّة، أبرزها (الديوكسينات والفيورانات والمعادن الثقيلة) وهي مواد مُسرطِنة تسبب أمراضاً تنفسية مزمنة عند استنشاق الدخان وخاصة للأطفال وكبار السن كما مرضى الربو والتحسس، كذلك تهيجات جلدية وعينية، كما ترفع معدلات الإصابة بالسرطان على المدى الطويل.
ويؤدي حرق النفايات إلى تلوث الهواء نتيجة خليط معقد من الغازات السامة والجسيمات الدقيقة، ويتضاعف الخطر في المناطق السكنية وبين الأبنية حيث تَضعُف حركة الهواء ويرتفع تركيز الملوثات لفترات أطول في الجو.
كما تنتقل الملوثات لمسافات بعيدة إلى المناطق الريفية بفعل الرياح وتترسب على التربة والمحاصيل الزراعية ما يؤثر على جودة الغذاء وصحة الإنسان والحيوان.
ناهيك عن رماد النفايات المحروقة الذي يحتوي على معادن ثقيلة سامة مثل الزئبق والكادميوم والزرنيخ، التي تتسرب تدريجياً إلى التربة والمياه الجوفية ليكون ذلك أخطر شكل من أشكال التلوث طويل الأمد وصعب المعالجة.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية
على المستوى الاجتماعي، تزيد التوترات والخلافات بين الجيران، ويتعمق الشعور العام بالغبن والتهميش وإهمال الدولة لسلامة وصحة مواطنيها مع زيادة عمالة الأطفال في جمع القمامة ما ينذر بأزمة اجتماعية أعمق.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن وجود بيئة ملوثة وغير صحية تقوّض أي مساعٍ جادة للاستثمار في مشاريع التنمية المحلية بمختلف مجالاتها، كذلك تعيق الاستثمار السياحي، ناهيك عن تزايد تكلفة معالجة الأمراض والاستشفاء.
المطلوب باختصار
معالجة هذه الكارثة يتطلب الانتقال من منطق رد الفعل العشوائي إلى منطق الخطة الشاملة طويلة الأمد وذلك عبر إجراءات عاجلة لتحديث البنية التحتية بمكبات صحية بعيداً عن أماكن السكن، وتأمين عدد كافٍ من الآليات الحديثة لجمع النفايات وأنظمة مراقبة ذكية لعمليات الجمع والترحيل، مع التوسع في آليات الفرز وإعادة التدوير، وفرض الفرز من المصدر (منازل، محال، أسواق ومنشآت صناعية وخدمية) مع دعم مشاريع إعادة التدوير، وسن القوانين والتشريعات وإصدار القرارات والتعليمات اللازمة لكل ذلك، بما فيها العقوبات والغرامات.
كذلك التوعية المجتمعية والتعليم البيئي في المناهج الدراسية، مع تقديم الدعم الكامل للبلديات والمجالس المحلية.
حرق النفايات ليس حلاً إنما اعترافاً فاضحاً بعجز السياسات وإشارة إلى تدهور مقومات الحياة الأساسية، لذا يجب تحمل المسؤولية، والمحاسبة عليها، بتنظيم عملية الجمع والترحيل كاستراتيجية وطنية مستدامة.
فصحة ملايين السوريين وسلامتهم لا يجوز التهاون بها تحت أي ذريعة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262
رشا عيد