بعد التضحية بمحصول الذرة الصفراء.. لهفة حكومية على قطاع الدواجن!
عادل ابراهيم عادل ابراهيم

بعد التضحية بمحصول الذرة الصفراء.. لهفة حكومية على قطاع الدواجن!

استفاقت الحكومة واللجنة الاقتصادية على حاجة قطاع الدواجن للأعلاف (ذرة صفراء- كسبة صويا)، فبذريعة توفيرها وإتاحتها للمربين وافقت على تمويل استيرادها لمصلحة مؤسسة الأعلاف من قبل بعض المستوردين!

للتذكير، فإن محصول الذرة الصفراء في الموسم الماضي كان وفيراً، لكن الشروط التي وضعت من أجل استلامه من قبل مؤسسة الأعلاف كانت تعجيزية وحالت دون استلام كميات كافية منه، ما أضر بالمزارعين والمؤسسة ومربي الدواجن والمستهلك بالنتيجة، فيما كان الرابح من ذلك هم بعض التجّار والمستوردين المحظيين!

لهفة حكومية لمصلحة بعض المستوردين!

وفي تفاصيل اللهفة الحكومية واستفاقة اللجنة الاقتصادية على تأمين الأعلاف لمربي الدواجن، فقد وافق رئيس مجلس الوزراء المهندس بتاريخ 13/4/2023 على توصية اللجنة الاقتصادية المتضمنة «تكليف مصرف سورية المركزي بتوجيه شركات الصرافة العاملة ضمن إطار لجنة التدخل بإيلاء الأولوية بالتمويل لمستوردي المواد العلفية لكمية /300/ ألف طن من مادة الذرة الصفراء حاجة قطاع الدواجن لمدة /6/ أشهر إلى حين بداية موسم الذرة المحلية، ولكمية /200/ ألف طن من مادة كسبة صويا حاجة القطاع لنهاية العام 2023 وذلك للعقود التي سيتم إبرامها بشكل مسبق بين المستوردين والمؤسسة العامة للأعلاف بغية توفيرها في الأسواق المحلية بالسرعة الممكنة لإتاحتها لمربي الدواجن».
من الواضح أن الموافقة أعلاه، واللهفة الرسمية لتمويل عمليات الاستيراد بذريعة تأمين الأعلاف لقطاع الدواجن، محصورة ببعض المستوردين المحظيين الذين سيبرمون عقوداً مسبقة مع مؤسسة الأعلاف، وهؤلاء لا شك سيستفيدون من التمويل الرسمي لعمليات الاستيراد، التي لن تقلل طبعاً من هوامش أرباحهم مع إضافاتها بذريعة العقوبات والحصار وسلاسل التوريد كما جرت العادة!
عبارة ملتبسة لمصلحة بعض أصحاب الأرباح أيضاً!
وكذلك فإن اللافت بالموافقة أعلاه هي عبارة «بغية توفيرها في الأسواق المحلية بالسرعة الممكنة لإتاحتها لمربي الدواجن»!
فهذه العبارة ملتبسة وفضفاضة، وقابلة للتأويل!
فمن الممكن تنفيذاً للعبارة أعلاه أن تقوم مؤسسة الأعلاف بتوزيع الأعلاف المستوردة للمربين مباشرة من قبلها كما هو مفترض، وكما جرت العادة بالمخصصات العلفية، وبالأسعار المحررة طبعاً!
أو من الممكن أن تطرحها في الأسواق لإتاحتها للمربين عبر بعض التجار، ما يعني إضافة هوامش ربح إضافية لمصلحة هؤلاء «المحظيين أيضاً»!
والنتيجة من هذه وتلك من التأويلات أن المربي سيبقى خاضعاً لمشيئة هوامش أرباح المستوردين والتجار!

التضحية بالموسم الواعد!

الاستفاقة الحكومية أعلاه، ولهفتها على قطاع الدواجن ومصلحة المربين، تتناقض مع لا مبالاتها بالتعامل مع محصول الذرة الصفراء خلال الموسم الماضي، وتتناقض مع إجراءات تخفيض الدعم على القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، بما في ذلك قطاع الدواجن طبعاً!
فمحصول الذرة الصفراء للموسم السابق كان واعداً، وكمياته كانت كبيرة ومفاجئة، لكن الإجراءات التي وضعت من أجل عمليات استلامه من المزارعين كانت تعجيزية!
فالإنتاج المقدر من محصول الذرة الصفراء كان بنحو 500 ألف طن، وهذا الإنتاج يعتبر وفيراً بالمقارنة مع المواسم التي سبقته والتي كانت بحدود 100 ألف طن، وهذا الإنتاج الوفير يغطي الحاجة بنسبة 80% بحسب بعض التقديرات الرسمية بحينه، ومع ذلك فقد اشترطت مؤسسة الأعلاف أن تستلم الذرة المجففة فقط لا غير وعلى حساب المزارعين، رغم علمها بعدم توفر مجففات كافية للمحصول الوافر!
ومع بقية الاشتراطات الأخرى بما يخص المواصفة (درجة الرطوبة- نسبة الشوائب والأجرام- الوزن النوعي..) أصبح السعر المحدد رسمياً (2000 ليرة/كغ) غير مجزٍ بالنسبة للمزارعين بعد التخفيضات عليه بسبب الاشتراطات الموضوعة!
والنتيجة أن المزارعين اضطروا لتجفيف المحصول بالطرق البدائية وعلى قارعة الطرقات، لكن الأحوال الجوية بحينها لم تساعدهم في ذلك حيث تعفن جزء من المحصول، ما أدى بالمحصلة إلى عدم توريد الكم الكافي منه إلى مؤسسة الأعلاف، وبحيث تم دفع المزارعين والضغط عليهم لبيعها للتجار وبأسعار مخفضة (1500 ليرة/كغ)!
فالموسم الواعد تم التضحية به بكل استهتار، وقد كان واضحاً منذ ذلك الوقت أن الغاية من ذلك هي الحفاظ على مصلحة أصحاب الأرباح (المستوردين- التجار)، على حساب المزارع ومؤسسة الأعلاف وقطاع الدواجن والمستهلك!
ففي مادة لقاسيون بتاريخ 27/11/2022 بعنوان «موسم الذرة.. عبرة وعِظة للمزارعين!» ورد التالي: «وكأن السعر والمواصفة والشروط تم وضعها للضغط على المزارع بما يحقق مصالح التجار، بعيداً عن مصالح المزارع ومصلحة مؤسسة الأعلاف معاً! فتلك الشروط التعجيزية دفعت المزارع إلى بيع ما يفيض عن حاجته للتجار بأسعار مخفضة عما وضعته المؤسسة من سعر، وفي نهاية الأمر لم يصل إلى مؤسسة الأعلاف سوى القليل من الكميات المنتجة، وبالتالي، لا بديل عن استمرار عمليات استيراد الأعلاف لتغطية الحاجة!».
فالموافقة الحكومية على التوصية أعلاه هي نتيجة (حتمية ومتوقعة ومرسومة مسبقاً) للتضحية بموسم الذرة الصفراء الوافر وفقاً لمجريات التعامل معه، وبما يحقق استمرار مصالح بعض المستوردين المحظيين، مع ضمان أرباحهم!
وللعلم فإن خلطة العلف للدواجن تجاوز سعرها في السوق 7000 ليرة/كغ!

قطاع الدواجن في مهب الريح!

تشكل الأعلاف بالنسبة لقطاع الدواجن ما يقارب 80% من تكاليف مستلزمات الإنتاج فيه، وهي نسبة مرتفعة تؤدي إلى زيادة أسعار منتجات هذا القطاع (فروج- بيض) على المستهلك بالمحصلة.
مع العلم أن معاناة هذ القطاع لا تقف عند حدود تأمين الأعلاف وتكاليفها المرتفعة فقط، بل يضاف إليها المعاناة مع بقية مستلزمات الإنتاج، وخاصة حوامل الطاقة (كهرباء- مازوت- فحم)، التي ارتفعت تكاليفها بشكل كبير أيضاً، والاضطرار للجوء إلى السوق السوداء لتأمين مادة المازوت وبأسعارها الاحتكارية، وكذلك الأدوية الضرورية واللازمة، ناهيك عن عوامل ومسببات النفوق في بعض أفواج الفروج، ما يرفع من التكاليف على المربين بالنتيجة، وبالتالي الأسعار على المستهلكين!
فمعاناة هذا القطاع ستستمر طالما لم تحل مشكلة توفير مستلزمات إنتاجه، وخاصة الأعلاف بتكاليفها المرتفعة، والتي يتحكم بها من الناحية العملية بعض المستوردين والتجار المحظيين!
فمحصول الذرة الصفراء، الذي ثبت بالواقع العملي إمكانية زيادته بما يغطي الحاجة منه بنسبة كبيرة بحسب نتائج محصول الخريف الماضي، مع إمكانية زيادته بما يفيض عن الحاجة، بحال توفُّر النية الرسمية في ذلك وخاصة على مستوى توفير الدعم الكافي واللازم للمحصول وللمزارعين على السواء، لا يخفض من تكاليف هذا القطاع فقط، بل يخفض من فاتورة الاستيراد أيضاً، بالإضافة إلى القيمة المضافة في تصنيع هذا الفائض، وما يؤمنه ذلك من فرص عمل وشبكات توريد وتسويق إضافية!
لكن ذلك لا شك لا يتوافق مع سياسات اللبرلة وتخفيض الدعم وتقويض كل ما هو منتج في البلاد، ولا مع مصالح كبار أصحاب الأرباح المحظيين المتحكمين بالأعلاف (كماً ونوعاً وسعراً)، وبغيرها من السلع والمواد في الأسواق، بدليل التعامل الرسمي اللامبالي مع هذا المحصول كما غيره من المحاصيل الزراعية الأخرى، بما في ذلك الإستراتيجية، ولو كان في ذلك إضرار مباشر بمصلحة المزارع والمربي والمستهلك والاقتصاد الوطني!!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1118
آخر تعديل على السبت, 06 أيار 2023 22:50