جرمانا.. تجارة الأرواح؟!

جرمانا.. تجارة الأرواح؟!

لم تَعبث بها آلةُ الحربِ فقط، بل عبثت بها ضمائُر المُنافقين وصمتُ الصامتين قبل الحرب وخلالها, حتى حولوها من قريةٍ تغفوا على هدير بردى تُدعى عروس الغوطة، إلى مدينةٍ عشوائيةٍ تستيقظ على أخبارٍ وأخبار!

من تَصدُع مبنى وإخلاءِ آخر، وانهياراتٍ جُزئية أو كلية لبعضها, إلى تحميل سكان المخالفات نفقات تركيب محوّلات الكهرباء في المناطق غير الملحوظة على مخططات المحافظة الموقرة.
مشاكل بالجملة والمفرق
شوارعٌ تملؤها الخنادقُ والحفرُ.. وفتحات الصرف الصحي بلا أغطية في معظمها، ليُعلق أحد السكان بالقول: «عيشتنا كلها زفت ماعدا شوارعنا».
أكوامُ القمامة تُغلقُ مداخل الأحياء.. أرضٌ مخصصة لبناء مشفى حكومية تتحولُ لمكبٍ كبير في مدخل المدينة.. مجاري أنهار مكشوفة تتحول إلى مستنقعات قمامة، لتكون مصدراً للروائح النتنة والأمراض.. ناهيك عن التعدي على الأملاك العامة بإغلاق جزئي أو كلي للعديد من مجاري الأنهار، التي من المفروض أن تروي مئات الهكتارات الزراعية في محيط المدينة، تارة ًمن قبل السكان لعبور النهر، وتارةً من قبل مافيات البناء المخالف لكسب المزيد من الأمتار «وع عينك يا تاجر»، دون أية خطوات جدية من المعنيين لوضع حدٍ لهذه الظاهرة التي تهدد بالكثير من العواقب، وأهمها: شح المياه الجوفية التي أساساً هي بحاجة لكثير من الوقود لاستخراجها من باطن الأرض.
بالإضافة إلى أزمة المواصلات والكهرباء، وآلية توزيع الغاز، والكثير من هذا..
تبديل الوجوه والمسكنات
منذُ عقود تتبدلُ الوجوه وتتغيرُ الأدوار, معتمدين على مبدأ الشمّاعة في إدارة هذه المدينة، فكُلُّ خللٍ في مجلسها البلدي يُرمَى به على من سبق. يأتي مجلسٌ بلديٌّ موقر ويذهبُ آخر, تارةً بالتعيين وتارةً بالاستفتاء وآخر بانتخاباتٍ شكلية بطابعٍ تسيطرُ عليه العائلية, والثابت الوحيدُ الواحدُ، هو: استغلالُ المنصب والفساد، أو غضُّ النظرِ وكمُّ الفم اتجاه كلِّ فشلٍ واستغلال، على مبدأ شارك بالفساد أو تنحى جانباً!.
ناهيك عن ماراتون تبديل رؤساء البلدية الذي لا ولم ولن يتوقف على ما يبدو، فالمعنيون بالمحافظة يعالجون داءً مزمناً بالمسكنات, والأمور تُقاس بنتائجها, محاولين امتصاص غضب السكان وسُخطِهم من نفاق الوعود الفضفاضة بالاقتراب من ايجاد حلول لمشكلاتهم, تلك الوعود التي تتناسب طرداً مع تدني الخدمات الأساسية في المدينة.. إذاً إلى متى؟.
مواجهة مفتوحة
على ما يبدو هي معركة مفتوحة بين السكان والمعنيين، فتكاتف الأهالي والوقوف صفاً واحداً، عن طريق الوفود الأهلية والاعتراضات ومقابلات المسؤولين ووسائل التواصل الاجتماعي، أجبر المعنيين على إيقاف قرار تكليف السكان بدفع ثمن المحولات الكهربائية في مناطق المخالفات، هذه الظاهرة التي كان من الممكن أن تعمم على أجزاء واسعة من البلاد فيما لو نجحت في أحياء جرمانا، فسياسات رفع الدعم والخصخصة وتحصيل العجز من جيوب الفقراء في جميع المجالات دليل على هذا.
كما أنّ الضغط الناتج عن الرأي العام في الشارع «الجرماني» نجح بإيقاف استخدام أرض المشفى كمكب للقمامة، والمباشرة بحفر الأساسات، ولو ببطء شديد، بعد سنين من تدشين حجر الأساس, ومحاولات كثيرة من «دواعش» الداخل وبعض المستفيدين لإلغاء المشفى، أو تحويلها إلى عيادات تخصصية لتحقيق منافع شخصية تافهة وضيقة, مع التنويه بأنَّ أرض المشفى ليست بأملاكٍ عامة، إنما هي تبرع من أحد السكان، تصل قيمتها لمئات الملايين في يومنا هذا، بشرط أن تكون مشفى لخدمة مئات الآلاف من الفقراء, والفضل يعود لمن رفض السكوت عن الحق، وعدد كبير من وجهاء المدينة الحقيقيين الذين لم يبخلوا بجهد، وطرقوا الكثير من الأبواب للعدول عن قرار تحويل المشفى إلى عيادات تخصصية في بادئ الأمر.
وبعد مرور شهور على هذا السجال والمباشرة بالحفر، تعود الأخبار اليوم من هنا وهناك بأن القرار أخذ ببناء عيادات تخصصية، لتكون نواة لمشفى عام!!!
ليترقب الناس تصريحات توضيحية بهذا الشأن بعيدة عن الإشاعات، فمدينة المليون ونصف المليون إنسان بأمس الحاجة لهذا الصرح الخدمي، وهو حق مشروع لا يمكن المساومة عليه.
عقدة المنشار
طبعاً، معظم مشاكل المدينة يحاول المسؤولون تحميلها للمجتمع الأهلي، والابتعاد عن جوهر المشكلة وتسليط الضوء على القشور، لكن لو تكلمنا عن أهم المشاكل التي تسبب معظم الكوارث، وهي: بناء المخالفات، والتأخير في إصدار المخطط التنظيمي، هل يمكن لمسؤولينا الموقرين إجابتنا ما هو دور الفعاليات الشعبية والأهلية في المدينة بقرارات كهذه، دمرت معظم المدينة على مرّ السنين، لمصلحة بعض المستفيدين؟!.
الإجابة لا تحتاج إلى ذكاء، فمن يُتابع طريقة البناء في المدينة، وترهل ناطحاتها التي تجاوزت التسعة طوابق في بعض الأحيان، بسرعة بناء قياسية وبغياب الرقابة بشكلٍ كامل أو شبه كامل، إلّا عن صغائر المخالفات في مختلف المجالات لإظهار مفاتن العضلات، كإغلاق البسطات على سبيل المثال، التي لا نُدافع عن وجودِها من عدمهِ، لكن ننتقدُ سُلمَ الأولويات!.
هذا واقع الحال، وبين الحلِّ النهائي والكلي المنشود لمشاكل المدينة، والحالُ الراهن الذي من المُحالِ أن يستمر، نمرُّ بعُقدة المنشار، ولسانُ حالِ من قابلناهم من ملاك البساتين التي ما زالت تحيط في جرمانا، كوردةٍ في كُرةِ نار، يقولون كقول الشاعر إبراهيم طوقان:
«في يدينا بقيَّةٌ من بلادٍ, فاستريحوا كي لا تطير البقيّة».
مطرقة وسندان
يوماً بعدَ يوم تتقلّصُ المساحة الخضراء، وملّاكُ الأراضي الزراعية بين المطرقة والسندان، مطرقة البناء المُخالف الذي سيحصدون نتيجته كمُعظم أحياء المدينة، عشوائيات أشبه بالمخيّمات تكاد تكون بلا خدمات، وابتزازهم من قبل مافيات التعهدات والرشاوى، وسندان انتظار المُخطط الذي طال انتظاره بلا أسبابٍ واضحة، وفي المحصلة سيرى المخطط التنظيمي النور بعد فوات الأوان، وسُتلتهم الأراضي التي حافظ أصحابُها عليها، ورفضوا بناء المخالفات لصالح المرافق العامة لتخديم المناطق العشوائية.
وهؤلاء على يقينٍ بأن كُل المحاولات للحفاظ على بساتينهم من هجمة البيتون الشرسة ستبوء بالفشل، وكُل ما يطلبونه، هو: الإفراج عن المخطط التنظيمي قبل فوات الأوان، فقد علمتهم التجربة أنّ المخطط لا يرى النور إلّا بعد أن تُبنى المُخالفات وتُصبح أمراً واقعاً، مُرّاً كالعلقم لمن سيقطنها.
ما العمل؟
هذا السؤال برسم الجهات المعنية، من مجلس البلدية ورئيسها المُكلف، حتى الإدارة المحلية ومحافظة ريف دمشق.
فسلسلة الوعود والتوجيهات التي أطلقها السيد المحافظ في زياراته المتكررة للمدينة، عن ضرورة تحسين واقع الخدمات، وإقرار المخطط التنظيمي، والتي لم ترتبط بإطار زمني معين، تفتح المجال أمام الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أن آخر شريحة تنظيمية شملت المدينة كانت منذ مطلع الألفية, ومنذُ ذك التاريخ إلى يومنا هذا يستمر مسلسل الوعود، ويطول الانتظار, وتولد أحياءٌ مخالفةٌ.. وأحياءٌ بأرواح، لتدخل البازار والتجارة!.

معلومات إضافية

العدد رقم:
910
آخر تعديل على الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 06:14