حلب: دوري أزمات!؟

حلب: دوري أزمات!؟

عندما يتجاوز العجز الخدمي، في مدينة ما، حداً لا يطاق من المعاناة لشهور متواصلة، تصل حدّ السنوات، هنا لم تعد المشكلة فقط أزمة إرهاب أو مؤامرةً كونيةً تحفّ بلداً بأكمله!.

بل المشكلة تكمن أيضاً، في عمل حكومة مقتصر على «الجولات السياحية»، ومسؤولين بعيدين كل البعد عن حقيقة ما يعانيه مواطنو هذه المدينة أصلاً، بدلالة عدم حل أزمات حلها في متناول يد المسؤولين رغم الوضع الاستثنائي.

يعلق أحد الحلبيين بروح رياضية ومرارة: «ودع فريق الغاز دوري الأزمات الحلبية بعد إعادة تشغيل معمل الراموسة، ليتصدر ترتيب الدوري فريق قطع المياه عن مدينة حلب لأكثر من ٣ أسابيع، ويليه بالمرتبة الثانية: أزمة المازوت، والمرتبة الثالثة البنزين، وتليها أزمة المواصلات، أما بالنسبة لفريق قطع الكهرباء المستمر فقد نزل إلى دوري الدرجة الثانية، بعد ابتعاده عن المنافسة لأكثر من عام».

بطل الدوري «بنزين- مازوت»

أزمة المحروقات تصدرت المشكلات، وخاصةً في الأسبوعين الفائتين، حيث شُلّت المواصلات بشكل شبه تام، وارتفعت أسعارها للضعف، بحجة عدم توفر البنزين، لتكتمل هذا الأسبوع بتخفيض ساعات تشغيل مولدات «الأمبير» ورفع أسعار الساعة، بحجة غلاء المادة في السوق السوداء، واستحالة تأمينها، لاتساع رقعة المدينة بعد تحرير أحيائها الشرقية، ما سبب أزمةً لزيادة الطلب عليها.

سارعت لجنة المحروقات في المحافظة إلى إقرار جدولة توزيعها، للفعاليات الخدمية الضرورية وفي حدود ضيقة، لحين وصول كميات إضافية إلى المحافظة، على الرغم أن هذه الأزمة منذ الصيف الماضي، ولم تُحلّ! بسبب قضايا فساد تم فيها محاسبة الحلقات الأضعف من سلسلة الفساد، وتنحية بعض الموظفين في سادكوب.

لكن ذلك لم يدفئ شتاء المواطنين القارس، الذي مر دون أن يُشعلوا نقطة مازوت واحدة إلا في حدود ضيقة جداً، رغم «الآليات المتجددة بالعمل» التي وُعدَ بها الحلبيون مراراً وتكراراً.

إلا أن هذه الآليات لم تشمل إلا جزءاً يسيراً من أحيائها، ما اضطر الباقون إلى شراء المادة من السوق السوداء بأسعار مرتفعة، فوصل سعر 25 ليتر مازوت إلى 6000 ليرة، ولم يسهم في تخفيض أسعار المواصلات، التي بقيت متفلتةً من أي قرار، أو تخفيف عبء أسعار الأمبيرات التي ارتفعت، وانخفضت ساعات تشغيلها أيضاً.

مخالفات قانونية!

عند البحث في مسألة ترخيص الأمبيرات أصلاً، فمنذ البداية انطوى ترخيص مولدات الأمبير على مخالفات قانونية، حيث يعاقب بالسجن حتى 3 سنوات مع غرامة مالية تصل لأربعة ملايين ليرة سورية كل من يقوم بتوليد الكهرباء.

لكن ما جرى هو أن البلديات قامت بمنح رخص صناعية للحصول على مولدات لمنشآت صناعية، هي غير موجودة واقعاً، وهنا أيضاً تكمن المخالفة، لتستمر سلسلة المخالفات، في خلق وتعميق وجود هذه الظاهرة  غير المقوننة، من جهة أنها يجب أن تصدر مثل هكذا تراخيص عن وزارة الكهرباء حصراً، كما أدى وجودها لنسيان الكهرباء بشكل شبه تام، على خارطة الخدمات العامة.

لكن هذا الواقع بات خانقاً وقاتلاً، وخاصةً بعد ورود أنباء يتم تداولها بين المواطنين عن قيام بعض أصحاب المولدات بالعصيان، وإيقاف تشغيل المولدات، لإجبار المواطنين المحتاجين لهذه الخدمة، الضغط على مسؤولي المدينة لتوزيع البنزين لهم، بحجة أنها امتنعت أو قللت دفعات البنزين في الأسابيع الماضية، بالرغم من أن حصة المولدة الواحدة تصل لـ 3600 ليتر في الاسبوع!!(حسب ادعاءات بعض هؤلاء).

ومع ذلك فإن اللجان المشكلة جميعها من قبل رئاسة الحكومة، أو من قبل المحافظ، للآن لم تستطع التعاطي بجدية مع هذه المشكلة، وكأن المطلوب منها الاستمرار من أجل قوننتها لاحقاً، وبشكل نهائي، لأنها قضاء لا راد له، وحتى إن تمت معاقبة من يخالف «قوانين التشغيل» من أصحاب هذه الأمبيرات، فالعقوبة تقع على المواطنين أنفسهم بدفنهم في الظلام لعدم وجود بدائل، أما من يمتلك الدعم للتملص من العقوبة لا يمكن لأي مواطن الشكوى عليه، وإلا سيكون مصيره الظلام أيضاً!.

جولات سياحية!

بالمحصلة غدا من الصعوبة اختصار معاناة حلب، ولم يعد بالإمكان الإحاطة بيومياتها، فتراكم وتعمق أزماتها وتعقدها، لم تقابله الحكومة سوى بجولات سياحية للترويح عن الوزراء أولاً، وقليل من الطبطبة على المواطنين من خلال تصريح ناري هنا وقرار خلّبي هناك، وهي في جلها مجرد خطوات لا تعالج جوهر المشكلات الأساسية للمدينة، أو حتى تلامسها بالحد الأدنى، وهو ما يزيد من كارثة فقدان الثقة بين المواطن وجهاز الدولة، الذي يتم تعمد إفراغه من دوره الأساسي في إدارة شؤون وحماية المواطنين وتوفير خدماتهم وتأمين حقوقهم والدفاع عنها وصيانتها من أيدي العابثين، ولكن ما جرى ويجري عملياً هو استنزاف لحقوق المواطنين، واستنزاف لجهاز الدولة بآن معاً، بمقابل إطلاق يد الفساد، دون ردعها بالقضاء على رؤوس سلاسلها، المتمثلة بالفساد الكبير.

معلومات إضافية

العدد رقم:
797