سوقنا الأسود

سوقنا الأسود

وكأننا نعيش ضمن ثقب أسود من الأزمات، يتسع ليشمل الماء والكهرباء والمازوت والدواء والمشافي والمدارس والطرقات والمرور والنقل والصرف الصحي وغيرها..

 

 

بعض هذه الأزمات، عملت عليها شبكات احتكارية مستغلة حاجات المواطنين، والبعض الآخر منها ما زالت تنتظر فرصتها فيها، وقد قسمت إلى أسواق يضيء فيها سعر المادة المفقودة والمحتكرة، الموجودة في سراديب المدينة، أو في الأسواق العادية علناً، على مرأى ومسمع الجهات الرسمية، سواء المعنية بالرقابة أو بوضع السياسات.

المفقود مولود

طوابير طويلة، وأساليب حجز جديدة يبتكرها السوريون في سبيل الحصول على جرة الغاز، فقد تجد رجلاً أو امرأةً تقف بالطابور بدلاً من جرة الغاز، إذا صادفت مكاناً توزع فيه هذه المادة الغالية، ريثما تأتي الجرة المنشودة!.

وقد أُتخم السوريون بتصريحات مفادها أن أزمة المحروقات في طريقها للحل قريباً، حيث صرح مدير إدارة عمليات الغاز في وزارة النفط والثروة المعدنية: أن الإنتاج اليومي من اسطوانات الغاز المنزلي وصل إلى أكثر من 135 ألف اسطوانة غاز يومياً، وهناك إمكانية لزيادة الإنتاج أكثر من 140 ألف اسطوانة في حال زيادة الطلب بشكل أكبر من الوضع الحالي.

ويتساءل «خالد العلي» الموظف: «هل يوجد حاجة أكثر من الوضع الذي نشهده حالياً؟؟ نحن نصطف أكثر من خمس ساعات تحت ظروف جوية قاسية، للحصول على جرة غاز واحدة، وطوابير الانتظار تملأ شوارع مدينة دمشق وريفها، وهناك أشخاص يباتون أمام مراكز التوزيع، فيما يحصل من يملك المال، على جرة الغاز خاصته من رأس الكوم!!».  

ولا يدري «مازن العبو» إذا كان عليه الاطمئنان إلى أنه سيحصل على جرته، بعد تصريحات مدير فرع دمشق وريفها للغاز، من ناحية عدالة التوزيع!. 

حيث قال المدير المسؤول: «إن التعميم الذي صدر إلى وحدات التعبئة في جمرايا أدى إلى نتائج إيجابية لناحية ضبط عمليات التوزيع».

ويرجو السوريون عدم خروج وزير النفط، أو أحد مسؤوليه، بتصريح مفاده أن الغاز للطبخ فقط!، بمعزل عن التدفئة والاستحمام مثلاً!!.

بالمقابل، يجد المواطن بأن اسطوانات الغاز متوفرة بالسوق السوداء، التي يتحكم بها، ويستفيد منها هذا وذاك من الموزعين والمتنفذين، وقد وصل سعر الاسطوانة إلى 5000 ليرة، في استغلال جشع لحاجات الناس لهذه المادة، التي من المفروض أن الدولة هي من تضع يدها عليها بيعاً وتوزيعاً.

افرح يا قلبي 

لم تحصل «أم يوسف» على مخصصاتها من مادة المازوت، رغم أنها تحمل «بطاقة شهيد»، وهذا أمر يعد امتيازاً قدمته الحكومة للعائلات التي فقدت أبناءها في الحرب الدائرة. 

تقول أم يوسف لقاسيون: «أنتظر أمام بناء البلدية منذ ثلاث ساعات على أمل أن نحصل على خمسين ليتر من المازوت، لكن المازوت وزع في بناء مجاور، وخرجت «بيدونات» المازوت الممتلئة ونحن ننظر بأعيننا». 

وأردفت: «لم تفدني البطاقة بشيء، واللجان التي كان من المفروض أن تعطينا حقنا، وزعت المخصصات على بعضها البعض ونحن لم نستلم مازوت أو غاز، وسأعود الى أبناء ابني بكيلو من الحطب كي نتدفأ عليها، بعد أن فقدت الأمل في الحصول على المازوت».

يعلم السوريون عدم جدوى الشكاوى التي يتقدمون بها، فباعة المازوت لا يفتحون كازياتهم إلا بحاشية مدججة بالسلاح في معظم الأحيان، ولهذه الكازيات أسعارها الخاصة، حيث وصل سعر ليتر المازوت إلى 400 ليرة سورية، و«إذا ما عجبك السعر لا تعبي»!!، هكذا.. سوق سوداء في وضح النهار وعلى عينك يا تاجر!.

سوق تفضل أستاذ!

يتفنن أصحاب المحالات التجارية والبسطات، في سوق الكهرباء، وسط العاصمة دمشق، بعرض بضائعهم من «لدات» وشواحن وبطاريات لضخ بعض التيار الكهربائي في عروق الغرف والمنازل.

فسوق الكهرباء يشهد ازدهاراً كلما ازدادت الأزمة سوءاً، وبات السوريون يربطون اشتداد الأزمة بوصول صفقات من المعدات والتجهيزات الكهربائية الجديدة إلى الأسواق، على مبدأ «مصائب قوم عند قوم فوائد».

فقد حصدت هذه الأسواق، ومن خلفها من مستوردين وتجار ومتنفذين وفاسدين، مئات المليارات من جيوب السوريين، استغلالاً فجّاً لأزمة لم يجد لها المعنيون من حل حتى الآن، على الرغم من الوعود كلها بهذا الشأن، والتي أدرك السوريون مدى خُلّبيتها.

صيدلي يا صيدلي 

تفرغ رفوف الصيدليات من الأصناف الدوائية الضرورية، وإن وجدت فإن فعاليتها وجدواها انخفضت إلى أقل من النصف. 

لكن من يبحث قليلاً سيجد الدواء الفعال، المستورد أو المهرب، معروضاً على رفوف بعض الصيدليات، أو في مخابئ خاصة لهذه الغاية «توصاية»، ولكن بسعر مرتفع. 

ولا يخفي على أحد، أن الدواء الأجنبي يدخل إلى سورية وبكميات كبيرة، وبالتالي تصبح إمكانية العلاج من نصيب من يملك المال دون غيره!.

سجال حامِ دار العام الماضي بين نقابة الصيادلة ووزارة الصحة، حيث طالب نقيب الصيادلة وزارة الصحة بالكشف عن مصير نسبة89 بالمائة من الأدوية المتوافرة بالسوق؟!، وقد اتهم نقيب الأطباء وزارة الصحة بتهميش النقابات قائلاً: «إنه لا يجوز لوزارة الصحة أن تهمش أيةً من النقابات الطبية، وذلك بإدخالها بلجنة التسعير للأدوية المحلية، ولا سيما أن رفع سعر الأصناف الدوائية الأخيرة لم تكن هناك مساواة فيها  رفع الأسعار للشركات».

«سامر.ع» صيدلاني في منطقة الميدان، يقول: «ارتفع سعر الدواء خلال السنتين الماضيتين أكثر من خمسة أضعاف، وكنا نتوقع أن تبقى الفعالية جيدةً، لكن الدواء ارتفع سعره وانخفضت فعاليته، فانخفاض الفعالية للأسف يخضع لضمير أصحاب معامل الأدوية، فبعض المعامل حافظت على فعالية معينة، فيما لم تلتزم بعض المعامل بالمعايير المفروضة، وهذا يدل على ضعف الرقابة».

يستقبل «جاد»، صيدلاني، كافة الوصفات الطبية، وخاصة تلك التي تحوي أسماء أدوية مفقودة، ويقول: «(أستورد) أدوية من لبنان عن طريق أحد السائقين، الذي يدخل الأدوية بطريقته الخاصة إلى داخل البلد»!!.

متابعاً: «هناك أكثر من شخص يدخلون الأدوية ويقومون بتوزيعها، لكني لا أصرف سوى الأدوية التي أجلبها وأثق بفعاليتها، فهناك أدوية تكون مزورةً وتباع بعشرات الأضعاف عن أسعارها الحقيقية».

واقع الحال يقول: إن سوق الدواء المهرب بات هي الرائجة على حساب الدواء المحلي، الذي تراجعت كمياته كما تراجعت فعاليته، أو المستورد النظامي بحكم قلّته واقتصاره على بعض الأصناف دون غيرها، ما فسح المجال لتوسّع عمل شبكة السوق السوداء ومن خَلفِها، وأيضاً لتحصد المليارات على حساب أمراض المواطنين ومعاناتهم، وخاصة لأدوية الأمراض المزمنة.

أزمات وشبكات فساد

ستة أعوام من الأزمات المتواصلة، كانت الحكومة فيها تتذرع بالحرب والأزمة والحصار ونقص الموارد، فيما كان المواطن المسحوق هو المتضرر الوحيد من تداعيات هذه الحرب وذاك الحصار، في حصار آخر فرض عليه على مستوى خدماته ومعيشته ومستقبله وأمنه، سواء عبر القوانين والتعليمات والسياسات، أو من خلال تقاعس الأجهزة الحكومية وترهلها وعدم قيامها بواجباتها، أو من خلال الشبكات العاملة «بالأسود» في عمق هذه الأزمات ولمصلحتها.

لنخلص إلى نتيجة مفادها: إن السياسات الرسمية المعتمدة بترابطها مع الحرب والأزمة، كان لها تداعيات كارثية على المواطنين عموماً، ولكنها بالمقابل كانت إيجابية على شريحة المستفيدين والمستغلين وتجار الحرب الجدد وأمرائها، بالإضافة إلى شريحة الفاسدين من المتنفذين في بعض المواقع الرسمية، والذين شكلوا ككل متكامل شبكات مترابطةً تعمل على استمرار هذه الكارثة ومفاعيلها، حاصدةً المليارات سنوياً على حساب المواطنين والوطن بآن معاً.

يتسائل أحد المواطنين: «مين الأقوى: الدولة، ولّا تجار الحرب والأزمة، ولّا المستوردين... بس بدي أفهم؟؟!!».

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
794