جهاد أسعد محمد جهاد أسعد محمد

بين المتنفذين والوسطاء والمستثمرين الأجانب.. أكبر سرقة موصوفة للنفط السوري على وشك الحدوث..

شهد السوريون في الفترة الأخيرة الكثير الكثير من عمليات النهب السافرة للأموال العامة.. وسمعوا كثيراً أو قليلاً عن سرقات منظمة يقوم بها المتنفذون، أو عن تهريب أموال أو ثروات يقوم بها المنوط بهم حمايتها.. وعرفوا متأخرين بعمليات آثمة لدفن نفايات نووية في باديتهم، وعاشوا مرغمين في ظل فساد يومي يمارسه عليهم أرباب الفساد في العمل والشارع والحي والجامعة.. وقرؤوا الكثير عن لصوص (محليين) كبار كانوا ذات يوم قريب مسؤولين (محترمين)، وبعضهم ما يزال على رأس عمله، وكيف كدّسوا ثروات هائلة في أرصدتهم الخارجية على حساب الخزينة العامة المنهكة.. وعانى الناس، وما يزالون يعانون من الفقر والبطالة والغلاء والرشوة وسوء الخدمات؛ لكنهم اليوم، إذا ما اطلعوا على ما سيرد في تحقيقنا هذا، سيجدون أنفسهم، أي السوريين، وهم المعتادون على المفاجآت المؤلمة، أمام عملية سطو لا مثيل لها في تاريخ سورية الحديث.. على أهم ثرواتهم الوطنية: النفط!!

 صفقة مريبة.. لأسباب غامضة

نشرت قاسيون في أكثر من مناسبة سابقة مقالات مختلفة عن شركة «دبلن» للنفط الحاصلة على امتياز تطوير مجموعة من حقول النفط في سورية منها: «تشرين، عودة، الشيخ منصور، تمت الإشارة فيها إلى جملة من المخالفات تقوم بها هذه الشركة بمساعدة بعض المتنفذين والمسؤولين في وزارة النفط والشركة السورية للنفط، ولم يكن أحد ليتصور أن هذه الشركة التي لم يُسمع بها من قبل، حيث لا تملك سوى الامتياز (الدسم) الحاصلة عليه بالجمهورية العربية السورية، وكانت قد ظفرت به بعد إغلاق الطريق أمام شركات النفط الروسية، ستضطر تحت أي ظرف لبيع امتيازها، فهو ثروة طائلة حصلت عليها بأبخس الأثمان، لكن المفاجأة حصلت، وها هي الشركة التي اكتشفنا فجأة أن اسمها الحقيقي هو (تانجانيكا)، قد وقعت عقد بيع استثمارها إلى شركة صينية، وإلى الآن لم يتضح السبب الذي أدى لهذه النتيجة..
فقد أعلنت شركة (تانجانيكا) منذ نحو ثلاثة أسابيع، وتحديداً في 25/9/2008 بأنها وقعت صفقة لبيع الشركة بقيمة ملياري دولار أمريكي إلى شركة (سانيابيك) الصينية، وهذا رقم بخس مقارنة بالأرباح اليومية الحاصلة، والأرباح المأمولة، خصوصاً إذا عرفنا يقيناً أن الاحتياطي المؤكد في هذه الحقول يتجاوز 4.5 مليار برميل، وهو أعلى من الرقم المعلن عن حجم الاحتياطي النفطي الكلي في سورية!!؟؟، كما أن النفط المؤمل في هذه الحقول يصل حتى 2.8 مليار برميل، أما النفط المحتمل فيتجاوز عتبة 3.7 مليار برميل، ليصبح المجموع بالتالي أكثر من 11.3 برميل نفط خام فقط لا غير في هذه الحقول فقط!!!.
هذه الأرقام والوقائع تدفعنا لمجموعة من الأسئلة: لماذا تستعجل هذه الشركة المشبوهة البيع، متخلية عن هذه الثروة الطائلة التي تكسب من ورائها المليارات؟ وما هي ظروف وملابسات مجيئها المفاجئ للاستثمار في سورية، وما الذي يدفعها اليوم للهرب؟ من يشاركها في أرباحها من المتنفذين الكبار في بلدنا، وهل اختلفوا على توزيع الحصص؟

ثم ما دوافع الكذبة التاريخية التي عممها مسؤولو النفط في الوزارة وفي الشركة السورية للنفط عن حجم الاحتياطي من هذه الثروة الوطنية الأغلى والأهم، وزعمهم بأنها ثروة آخذة بالنفاد، ولم يبق منها ما يُعتمد عليه في رفد الخزينة؟؟ هل يحاولون تجنب الحسد و(العين الطرّاقة) وأطماع الأعداء والحاسدين؟؟
أما السؤال الأهم: فهو: هل ستسمح وزارة النفط بحصول الشركة الصينية على هذا الامتياز بهذا السعر المتدني جداً، فيما هي واقفة تتفرج على ضياع المال العام والخيرات الوطنية التي يمكن أن تنتشل اقتصادنا وخزينتنا وشعبنا من الفاقة والعوز والتدهور؟؟
إن الوقت يمر سريعاً، ومرور شهر على عقد الصفقة بين شركة (دبلن) وشركة (سانيابيك) الصينية الذي تم توقيعه،كما أسلفنا، في 25/9/2008، دون اعتراض الحكومة السورية عليه، وهو الذي لم يحصل بعد، يعني اعتبار الموافقة قد تمت..

 من أربعة.. إلى ستة.. كيف؟ ومتى؟؟

كيف وضعت شركة دبلن يدها على هذا الكنز؟
نشرت وزارة النفط عام 2002 إعلاناً يتضمن رغبتها بتنمية وتطوير أربعة حقول (حقل تشرين، عودة، كبيبة، الشيخ منصور)، وقد حصلت شركة دبلن التي كانت مجهولة حينها على عقد تنميه وتطوير حقل عودة، وذلك لعام 2003، ثم حصلت على عقد آخر لتنمية وتطوير حقلي (تشرين، الشيخ منصور) عام 2005، واليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات من حصولها على هذين العقدين، تعلن (دبلن) عن بيع ستة حقول لصالح شركة (سانيابيك) الصينية، فمن أين أتى هذا العدد (ستة حقول)...؟  ما هي هذه الحقول؟ ومتى تم التعاقد عليها؟ وهل جرى الإعلان عنها؟ ومتى؟
ثم كيف يسمح لدبلن هذه بتحقيق ربح لا يقل عن (2 مليار دولار أمريكي) دون أدنى جهد، إضافة للربح الذي حققته من تقاسم الإنتاج خلال الفترة السابقة مع الحكومة السورية.

ولكن لإتمام صفقة البيع لابد من تحقيق شرطين أساسيين:

1) موافقة الحكومة السورية: التي تروج إدارة الشركة أنها مجرد تحصيل حاصل، ويزعمون الآن أنهم قد حصلوا عليها ويتهكمون على الساعين لعرقلة عملية البيع المجحفة هذه.. فالمادة 20 – 3 تنص على الآتي: «يجب أن يقدم إلى الحكومة (السورية) كل صك تنازل يتم إبرامه وتوثيقه وتسليمه، تتنازل فيه الشركة أو المقاول عن أي من الحقوق أو الامتيازات أو الواجبات أو الالتزامات موضوع هذا العقد خلال ثلاثين يوماً تلي تاريخ موافقة الحكومة على التنازل، أو تلي تاريخ اعتبارها موافقة، وفي حال عدم الحاجة لهذه الموافقة، ففي خلال ثلاثين يوماً تلي إبرام صك التنازل»..
2) موافقة حملة الأسهم بنسبة /66.5 %/ والتي لم يوفقوا بالحصول عليها حتى هذا التاريخ، حيث لم يحصلوا إلا على موافقة /34 %/ من حملة الأسهم، وهي النسبة التي يملكها أصحاب الصفقة أنفسهم.
لقد اعترض عدد كبير من حملة الأسهم على البيع بهذه الأسعار بسبب الدراسات المعتمدة التي أظهرت احتياطياً كبيراً وكبيراً جداً، وقد قام بهذه الدراسات شركة
DeGolyer and MacNaughton Canada Limited (D&M) (وهي طرف معتمد دولياً، والتي أكدت وجود احتياطي لا يقل عن (11 مليار برميل، منها نحو 5 مليار برميل مؤكدين)، ومع هذا تقوم الشركة ببيع حصتها بـ (2 مليار دولار فقط)!! ألا يدفع هذا للتساؤل عن الأسباب؟ فحسب المنطق وأسعار السوق الحالية يجب أن تكون الصفقة بأضعاف مضاعفة، وليس بهذا السعر الزهيد الذي تم البيع به.
لقد باءت محاولة إقناع باقي المستثمرين حتى تاريخه بالفشل، رغم المبررات والذرائع والإغراءات، ولكن دون جدوى، بيد أن الركون لذلك وحده أمر بغاية الخطورة، وعلى الحكومة السورية ممثلة بمسؤولي النفط التدخل الفوري لإيقاف الصفقة.
 
مخالفات صريحة.. ولا مساءلة!

أنفقت شركة دبلن أثناء عملية الاستثمار، حسب ادعائها، نحو (300 مليون دولار أمريكي)، وهذا الرقم يتضمن مجموع إنفاقها العام بسورية، وهذه المصاريف بمجملها مستردة بنسبة /70 %/ نظرياً من الحكومة وفق شروط العقد، أما عملياً فهي مستردة كاملة، بل وفائضة، بسبب المخالفات والارتكابات التي اتبعتها الشركة..
فلو تم التدقيق بشكل جيد بهذه النفقات، لوجدنا أن الأرقام المعلنة مبالغ بها إلى حد كبير، وقسم منها تم صرفه يشكل غير شرعي.. حيث عمدت (دبلن) إلى التلاعب بنسبة المياه المختلطة بالنفط عند تسليم الكم المنتج، وذلك من خلال تقارير متداولة داخل الشركة، ولدينا نسخة من هذه التقارير التي تفضح التلاعب بهذه القضية، بالإضافة للتلاعب بالعقود والمشتريات، والرشاوى التي أصبحت جزءاً مهماً من أساس العمل.
كما أدى انعدام الحرفية وسوء الاستخراج إلى ضياع كميات كبيرة من الغاز، وهذه الكميات تقدر بعشرات الآلاف من الأمتار المكعبة، وقد تتجاوز المائة ألف متر مكعب يومياً، وهذا الغاز ملك للشعب السوري والشركة السورية للغاز، ولا نعلم سبباً للتغاضي عن هدر هذه الكميات الهائلة.
أيضاً ساهمت الشركة بإحداث خلل كبير وتخريب الطبقة الحاملة، وبشكل خاص في حقل تشرين، وهذا ما تشير إليه التقارير الموجودة اليوم لدى الشركة السورية للنفط...!
 
قبل فوات الأوان..

قد يقول قائل إنه من حق شركة دبلن حسب ما ورد في العقد المبرم مع الحكومة السورية التنازل للغير؟ وهذا صحيح. ولكن هل راعى المقاول شروط وأحكام هذا العقد، وبشكل خاص ما تتضمنه المواد /10، 20، 21/  من العقد، حتى يتم التعاطي معه بهذا الشكل من الأريحية وكرم الأخلاق؟؟
الأهم من كل ذلك؟
هل يحق للشركة (دبلن) بيع مناطق وحقول حصلت عليها أساساً بشكل غير سليم، فالحقول التي تم بيعها حسب ما أعلنت شركة تانجانيكا (دبلن) هي: حقل عودة، وحقل تشرين شرق، حقل تشرين غرب والمنطقة الفاصلة بينهما، حقل الشيخ منصور، حقل الشيخ سليمان، حقل جرايبي، فكيف أصبح حقلا «الشيخ سليمان» و«جرايبي» متضمنين في عقد الاستثمار؟ هل تم التعاقد عليهما بشكل قانوني وتحت الأضواء؟ أم هل منحت الحكومة شركة (دبلن) هذين الحقلين مجاناً، مكافأة لها على جهودها المخلصة في سرقة خيرات شعبنا ووطننا؟
يذكر أن الاحتياطي المؤكد لهذين الحقلين يقدر بأكثر  من (100 مليون برميل) حسب الدراسات التي قامت بها شركة مختصة مكلفة من شركة (دبلن) نفسها، وإن عدداً من الشركات العاملة في هذا المجال كانت على استعداد لدفع عشرات الملايين من الدولارات للظفر بهما، وبتقاسم أفضل لصالح الحكومة.. فكيف، ولماذا، ولصالح من، جرى إلحاق هذين الحقلين بالعقد المبرم مع دبلن هذه؟؟
إن أسئلة أكبر أصبح مطلوباً طرحها على مسؤولي ومتنفذي النفط في بلدنا الذين يتعاملون مع هذه الثروة الوطنية وكأنها لهم وحدهم، وليست ملكاً للشعب بأسره، وعلى كل الشرفاء في هذا الوطن المستهدف من الداخل والخارج، أن يسارعوا إلى وقف هذه الكارثة، ومحاسبة المسيئين، وكف يد، ومعاقبة المتهاونين بحقوق الوطن وثرواته وأمواله..
 
المطلوب الآن وبالسرعة القصوى، أن تطعن الحكومة السورية بعقد البيع المبرم بين (دبلن) و(سانيابيك)، ومساءلة كل من سهّل ويسهّل هذه العملية المجحفة التي يمكن وصفها بالسرقة الموصوفة، وتحويل المتهمين بالتواطؤ إلى القضاء، وقيام الشركة السورية للنفط باستثمار هذه الحقول الغنية بنفسها، خاصة وأنها مليئة بالكوادر والكفاءات والإمكانات..