السنة التحضيرية..  خطة تعميم لتجربة لم تنضج
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

السنة التحضيرية.. خطة تعميم لتجربة لم تنضج

وزارة التعليم العالي تسير قدماً باتجاه تعميم تجربة السنة التحضيرية على الكليات الطبية، لتطبيقها على الكليات الهندسية، على الرغم من أنها لم تستكمل دراسة نتائج هذه التجربة، ومنعكساتها الإيجابية والسلبية، على مستوى المدخلات والمخرجات من أجل ضمان جودة العملية التعليمية.

 

في ورشة العمل التي أقامتها وزارة التعليم العالي لمناقشة مبررات اعتماد السنة التحضيرية في الكليات الهندسية، خلال شهر شباط الفائت، لم يخف وزير التعليم العالي ربط زيادة الطلب على التعليم العالي مع اعتماد السنة التحضيرية، حيث نوه إلى: «أهمية اعتماد سنة تحضيرية للكليات الهندسية، تماشياً مع السياسات المتبعة عالمياً، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في القبول الجامعي مع ازدياد الطلب على التعليم العالي، وتهيئة الطالب للتواصل المباشر مع الوسط الجامعي وقياس قدرات الطالب وتوجيهه إلى الاختصاص الذي يتناسب وميوله، وتهيئة طالب متميز قادر على التفوق وخدمة المجتمع بمهنية عالية».

زيادة الطلب على التعليم العالي ظاهرة صحية

مع التأكيد على الدور المناط بالتعليم، الثانوي والعالي، والمتمثل بتهيئة طالب متميز، قادر على التفوق وخدمة المجتمع بمهنية عالية، لكن وكأن الوزير يشير إلى أن زيادة الطلب على التعليم العالي هي حالة مجتمعية سلبية، يجب وضع ضوابط ومعيقات أمامها، بينما العكس هو الصحيح، فإن زيادة الطلب على التعليم العالي هي حالة صحية مجتمعياً واقتصادياً، وظاهرة يجب تعميقها والاستفادة منها. كما وكأن الوزارة من واجبها أن تكون وصية على ميول الطالب، لتضع أمامه شروطاً إضافية بحجة معرفتها بميوله أكثر منه، ثم لم تتضح ما هي معايير تكافؤ الفرص في فرض سنة تحضيرية، طالما أن موضوع سياسة القبول الجامعي نفسها بيد الوزارة العتيدة. وأخيراً نلفت النظر إلى أن السياسات المتبعة عالمياً التي يتحدث عنها الوزير بمجال السنة التحضيرية، هي بعض السياسات على مستوى التعليم الجامعي، كما أنها غير معممة بالدول كلها أو بالجامعات جميعها وعلى الكليات كلها.

أجزاء الألف من العلامة؛ 

لا تعكس المقدرة لدى المتفوق!

كما أشار وزير التعليم العالي أن «معيار الثانوية لم يعد كافياً للقبول الجامعي، بسبب الآلية التي تمنح فيها الشهادة الثانوية من خلال دورتين امتحانيتين، وتوقف مستقبل الطالب في القبول الجامعي، وخاصة في شريحة العلامات المرتفعة، على أجزاء من الألف للعلامة، والتي لاتعكس المقدرة الحقيقية للطالب».

أيضاً يحمل الوزير مسؤولية، عدم التنسيق والتدبر بين وزارته ووزارة التربية، للطلاب أنفسهم، حيث أن الآلية التي يتحدث عنها الوزير لا شأن للطالب بها، وجل ما في الأمر أنه ملتزم بها، وموضوع ربط القبول الجامعي بفروق العلامات بأجزاء من الألف، هي سلبية تتحمل وزرها الوزارتان، وليس من الإنصاف تحميل الطالب هذا الوزر، فهو غير معني بالسياسات المتبعة، وبسوء التنسيق والتخطيط بين الوزارتين المعنيتين بهذا الأمر. وبالتالي فإن القبول الجامعي على معيار الثانوية واعتباره غير كافٍ، فيه من الإجحاف بحق الطلاب الشيء الكثير، كما فيه إدانة مباشرة لوزارة التربية أيضاً. الأمر الذي يعزز فكرة عدم وجود سياسة واضحة ومخططة ومبرمجة بين الوزارتين، وهي تعتبر مسؤولية حكومية، لا شأن للطالب بها. ومن غير المنطقي والمنصف تحميله أوزارها وأعباءها ونتائجها، وخاصة هؤلاء من المتفوقين، الذين يظهر الوزير وكأنه يدافع عنهم، ولكنه بآنٍ يحرمهم من حقهم بالتفوق، عبر اختيار ما يناسب رغباتهم وطموحهم، على أجزاء من الألف من العلامة، والتي اعتبرها الوزير لا تعكس المقدرة الحقيقية للطالب!.

السنة التحضيرية سببها الأزمة!

وأكد الوزير «أن خطة الوزارة الاستراتيجية ومشروعها تهدف إلى ضبط المدخلات الجامعية وقياس مخرجاتها من أجل ضمان جودة العملية التعليمية في ظل الأزمة، وبالتالي معرفة نقاط الضعف والعمل على معالجتها في الوقت المناسب. مبيناً أن الورشة تهدف إلى تبادل الآراء والإجابة عن جميع الاستفسارات الخاصة بالسنة التحضيرية في الكليات الهندسية ونظامها الدراسي، ودراسة السلبيات والإيجابيات في هذا الإطار بعناية، مع الاستفادة من تقييم تجربة السنة التحضيرية للكليات الطبية».

هنا لا بد من طرح التساؤل الأهم، هل قامت وزارة التعليم العالي بدراسة تجربة السنة التحضيرية للكليات الطبية؟، والجواب طبعاً ليس بعد، حيث أن التجربة لم تستكمل عامها الدراسي الأول، وبالتالي من المبكر استخلاص النتائج والعبر منها، فكيف البدء بتعميمها!، أما عن المبررات عن خطة الوزارة واستراتيجيتها في ضبط المدخلات والمخرجات وضمان الجودة وغيرها، فإن تلك القضايا تعتبر من الواجبات الأصيلة للوزارة، وليست وافدة عليها الآن، كما ليس لهذا الأمر أية علاقة بالأزمة، التي باتت شماعة يتم تحميلها ما لا تحتمل أحياناً كثيرة، ولغايات ومبررات وأهداف بعيدة كل البعد عن المعلن عنه.

إمكانات علمية معرفية أم مالية؟

أخيراً فإن التعليم المجاني، بمراحله كافة، ليس منة من الحكومة ووزاراتها على الطلاب وذويهم، فهو من الحقوق المصانة التي يمنع تجاوزها أو تشويهها، وبالتالي فإن سياسة القبول الجامعي من المعيب ربطها بزيادة الطلب عليه، بل على العكس، من الواجب زيادة الاستيعاب الجامعي، بما يتناسب وزيادة الطلب عليه. والحجج التي تساق أحياناً عن توفر الجامعات الخاصة وزيادة أعدادها، وسياسات الاستيعاب لديها، لا تعني أكثرية الطلاب، من أبناء المواطنين محدودي الدخل والفقراء، والذين يرسمون مستقبلهم بناءً على إمكاناتهم العلمية والمعرفية، وليس على إمكانات ذويهم المالية. مع الإشارة إلى أن بعض السياسات المتبعة والمقرة، ليست بعيدة عن الترويج والتسويق لهذه الجامعات، على حساب الجامعات الحكومية، وطموحات وأحلام الطلاب ومستقبلهم، كما مستقبل البلد. 

وعسى لا تكون سياسة اعتماد السنة التحضيرية مرتبطة بذلك أيضاً، حيث بات من الواضح أن السياسات الليبرالية للحكومة يتم تعميمها تباعاً على القطاعات كافة، وأخشى ما أخشاه أن يتم التضحية بالقطاع التعليمي الجامعي لحساب هذه السياسات، ولصالح مروجيها ومتبنيها والمستفيدين منها، تجارةً وفساداً، ويكون الطالب الفقير ضحية هؤلاء، وتكون ورشة العمل التي أقيمت واحدة من وسائل الترويج لهذه السياسات، بأهدافها وغاياتها.