مساءات مدينة..

أعتقد أن هذه الليلة ستكون هادئة، هكذا قال لأم عياله بعد مضي أكثر من ساعتين على آذان العشاء، وهو يقلب محطات البث من محطة إلى أخرى بحثاً عن خبر جديد يعطيه شيئاً من الأمل.. لم يمض إلا قليل من الوقت على ما قاله حتى سمع صوت ثلاثة أعيرة نارية، لم يكن متأكداً تماماً مما سمعه، فسأل: هل هذا صوت رصاص؟ ركضت صغيرته إليه مرعوبة وارتمت في حضنه: بابا لا تطلع من البيت صار (طك)، قالتها بلغة ابنة أربع سنوات، والله سمعت (الطك) بابا لا تطلع من البيت.

ابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيه، يعود إطلاق النار بقوة أشد وصوت أوضح بالنسبة له، يقترب الصوت حتى يخال له أنه يأتي من فوق سطح البناء الذي يسكنه، تعود صغيرته إلى حضنه تبحث عن الأمان فتحضنه وهي تردد: «بابا إذا تحبني لا تطلع وتتركني»، ببراءة الطفولة ونقائها وصدقها تتمسك بوالدها وتصرخ: «ماما تعالي معنا»، ولكي يمنحها الطمأنينة وينسيها لعلعة الرصاص القاتل، يقول لها: «لكن أنت لا تحبينني» وبسرعة البرق تجيبه: «بلا أحبك.. لكن لا أحب من يضرب الرصاص لأنه يريد قتلنا».

ليلة مثل معظم ليالي المدينة، سواد يخيم على أسطحتها، على شوارعها وحواريها، على وجوه أطفالها، على المتظاهرين والمسلحين والأمن والجيش، النسوة يبتهلن إلى الله، شهيد من هنا وشهيد من هناك، جرحى، ومكبرات الصوت تحض على التبرع بالدم من هذه الزمرة أو تلك، وفي الصباح التالي لا شيء في المدينة، وريح عاتية عاصفة رملية تغطي وجه السماء، دوائر حكومية فارغة من موظفيها ومراجعيها، والمدارس حزينة لغياب أبنائها.. لكن دون جدوى!.

ثلاثة أيام أو أربعة وتعود الحياة إلى طبيعتها، ثم تعاد الكرة من جديد، لا أحد يعرف إلى أين تمضي الحياة، إلا أولو الأمر.

قبيل المغرب لابد من الخروج والعودة باكراً، لقد سئم المكوث في منزله، اتصل بالأصدقاء وتم الاتفاق على الزمان والمكان على أمل أن تكون هذه الليلة هادئة بعد تلك الليالي الدامية.

حركة شارع مطمئنة إلى حد ما، سأله أحد المارة هل هناك شيء؟... «لا... لا لحد الآن الأمور هادئة» فأجابه: «لكني يا أستاذ انصحك بالعودة، فالوضع غير مريح»، لكنه أصر على متابعة الطريق، ووصل المكان المحدد، وقبل أن ينتهي من إلقاء التحية على الموجودين بدأ إطلاق النار كالمطر الساخن الصاعد إلى السماوات والهابط على الأرض.. تبدأ الاتصالات به: «أين أنت، ابق حيث أنت.. الحارة عندنا قامت ولم تقعد.. انتبه إلى نفسك.. لماذا خرجت اليوم؟ لا تأت حتى نخبرك».

يرن جوال أحد الموجودين: «تعال فوراً، لا يوجد عندنا شيء بالحارة كل شيء هادئ».. تتوالى الاتصالات والجميع لا يستطيع مغادرة المكان حيث الرصاص يحيط به وبهم..

هدوء... ثم إطلاق نار متقطع.. ثم هدوء..

يدخل أحدهم مسرعاً فيثير الرعب بنفوس الحاضرين: أين كنت يا رجل؟ أمجنون أنت؟ ماذا حدث بأنفاس منهرجة؟ يجيب: لا شيء، كالعادة متظاهرون لا أكثر ولا أقل، إطلاق نار لتفريقهم أو أحد ما أطلق النار باتجاههم، لا يوجد سوى هذين السببين.. وأنت أيهما ترجح؟ أرجح السببين معاً.. هل جرح أحد أو استشهد أحد؟ لا يوجد شيء واضح حتى الآن، الصباح سيكشف كل شيء..

وفي الصباح تكون مصيبة المدينة أعظم، شهيد من هنا وشهيد من هناك، ليبقى (أصدقاء سورية/ أصدقاء إسرائيل) يضحكون!.