الجامعات السورية مقتل أحلام الشباب
بعد تجاوز الطالب مرحلة الامتحانات للشهادة الثانوية العامة وتعقيداتها، من طرق التدريس إلى وقائع الامتحان والمراقبة، إلى التصحيح والنتائج ومفاجآتها المفجعة أحياناً، إلى المفاضلة الأولى والآمال التي يعقدها، والأحلام التي تتراكم في مخيلته حول مستقبل باهر، والخيبات والإحباطات التي يواجهها مع صدور لوائح القبول للمفاضلة الثانية، واضطراره في معظم الأحيان للتسجيل في كلية هي في النسق الأخير من رغباته والمجالات التي من الممكن أن يبدع فيها، حينئذ يصطدم مجدداً بالواقع التعليمي في كليات الجامعات السورية ومعاهدها. فما هي مشكلات هذا الواقع؟!
تباً لقانون الاستيعاب، نعم تباً لقانون الاستيعاب فهو قانون ظالم وجائر، وتباً لانفراد الدكتور مدرس المادة بإقرار المادة أو المقرر التي يجب أن يُدرَّس، وهو يعتمد على ذوق ومزاجية الدكتور، ويختلف المقرر من جامعة إلى أخرى، فالمقرر في جامعة دمشق لمادة ما، يختلف عن المقرر للمادة نفسها في جامعة تشرين أو جامعة حلب، كما ينفرد الدكتور مدرس المادة بوضع الأسئلة للامتحان، ويحتفظ بالإجابة وإمكانية تحديد العلامة لنفسه فقط، فلا أحد سواه يعرف ما إذا كان الطالب قد أجاب إجابة صحيحة أم لا، كما ينفرد بتصحيح أوراق الامتحان لمادته، وقد تمر أوراق ذات إجابات صحيحة وهو في حالة نفسية قد يكون متوتراً أو قلقاً، فينال الطالب علامة متدنية شفاء لغليله وتفريغاً لغضبه وتوتُّره، وقد تمر أوراق ذات إجابة خاطئة وهو بمزاج فَرِحٍ «ومسلطن» فيعطي علامة عالية لا يستحقها الطالب. وقد يكون مجموع أوراق الامتحان 1000 ورقة والمطلوب ضمن قانون الاستيعاب أن ينجح مائتا طالب فقط، وقد يصحح 400 ورقة فينجح منها العدد المطلوب، «فيشلف» العلامات الراسبة «شلف» للأوراق المتبقية التي قد يكون فيها مبدعون ومتفوقون، ومن هنا يأتي الظلم والجور لقانون الاستيعاب، وهذه الفرادة التي يتمتع بها الدكتور ليست سوى صورة عن ديكتاتورية وسلطة مطلقة قد تؤدي إلى مفسدة مطلقة، لأنه، وباعتباره المتصرف الوحيد والفريد بمصير امتحان مادته، كثيراً ما سمعنا عن رشاوى ومبالغ تُدفع للدكاترة ثمن النجاح في مادة ما، عن طريق أشخاص يُعتبَرون مفاتيح الوصل بين الطالب والدكتور. قد تكون هذه أقاويل أو إشاعات أو حجج لعدم نجاح الطلاب، لأنه ليس هناك إثباتات ملموسة على أرض الواقع، وليس هناك من يعترف بقيامه بهذه الممارسات، إلا أنه ليس هناك دخان من غير نار.
إذاً ما الحل للتخلص من هذه الحيرة وهذه الظاهرة التي احتمال وجودها كبير في ظل الفساد الذي عشش في كل مفاصل الدولة بما فيها الجهاز التعليمي؟ الحل هو بوجود قانون واضح وصريح ومحدد الملامح دون لُبْس، ودون أي منفذ للشك فيه، ويكون على الشكل التالي:
أولاً وقبل كل شيء أن تكون رواتب دكاترة الجامعات مجزية، وتتناسب مع ما يزيد عن ثلاثين عاماً من الجد والتحصيل العلمي لبلوغ شهادة الدكتوراه، وتضمن معيشته باكتفاء وبحبوحة تامة تمنعه من التفكير باتِّباع الطرق غير القانونية.
وثانياً يجب إلغاء قانون الاستيعاب الذي يحدد مسبقاً عدد الطلاب الذين يجب أن ينجحوا إلى صفوف أعلى، وليأخذ كل ذي حق حقه من العلامات التي يستحقها والنجاح الذي يسعى إليه ويعمل جاهداً لأجله.
ثالثاً يجب أن يكون تصحيح أوراق الامتحانات الجامعية على النموذج نفسه لتصحيح أوراق الشهادتين للتعليم الأساسي والثانوي، إن الذي يحمي حق الطالب بالتقدير الحقيقي لجهده هو قرار من وزارة التعليم العالي يتضمن أنه، وحتى لو انفرد الدكتور بإقرار المقرر المدروس ووضع أسئلة الامتحان، يجب عليه وضع نسخة واضحة محددة وصريحة عن الإجابات المطلوبة، وسلَّماً للعلامات يفصِّل فيه استحقاق كل معلومة في الجواب من علامات. ويتم تشكيل لجان من عدد من الدكاترة من الاختصاص نفسه لتصحيح أوراق الامتحانات كاملة على أساس هذا السلَّم، ولجان لتدقيق التصحيح، ولجان لإقرار علامات الأسئلة والعلامة النهائية. ويتم كل ذلك بقرار وزاري يثبِّت هذه الآلية التي فيها إنصاف وعدل يؤديان بالنهاية إلى الخروج من حالة الترقب والتوتر والقلق والاضطراب التي يعيشها طلابنا في الجامعات السورية بين الهواجس السوداء والخوف من ضياع الجهد، وبدلاً من أن يحصل على الـ75 علامة التي تأكد أنه يستحقها على إجابات صحيحة واثق منها، وإذا به يحصل على 27 علامة أو 32 كحد أقصى. ويجب التخلص من الكثير من الممارسات الفاسدة في القطاع التعليمي، والتي شاركت بتوليد جزء من الاحتقان الشعبي الذي تفجَّر، حتى على صعيد الجامعات، احتجاجات شعبية ومظاهرات مطالِبة بالعدل والحق والحرية.
هل من الممكن أن تتجاوب وزارة التعليم العالي مع ما يمكن أن يشكل أحد الحلول الجزئية للمشاكل التي يواجهها طلابنا؟ أم أن هناك مخططاً مبيتاً للضغط على الطلاب لإجبارهم على اللجوء إلى التعليم الموازي أو الخاص الذي يتطلب أموالاً طائلة تكسر الظهر، الذي يدفع فيه الطالب ثمن النجاح نقوداً، فينجح دون بذل أي جهد؟ وهنا نتساءل: والطالب فيما لو كان متفوقاً ولا يملك ذووه المال الكثير، فماذا سيحل به؟! أم أن هناك مخططاً يكمل الأول لتطفيش العقول والقدرات الشابة التي عليها اعتماد تطور الوطن وعزته ورفعته؟!!