دمشق تنزف أهلها.. والقذائف تمزق أوصالها

دمشق تنزف أهلها.. والقذائف تمزق أوصالها

للمرة الأولى منذ بدء الأحداث في سورية، شهدت العاصمة دمشق في الأيام العشرة الأخيرة تصعيداً جديداً من حيث عدد قذائف الهاون التي سقطت فيها، وطالت مناطق متفرقة في المدينة، مسببة أضراراً مادية وخسائر بشرية كبيرة، ومؤدية في الوقت ذاته إلى نشر حالة من الخوف والقلق النفسي بين سكان العاصمة، إضافة إلى انعكاس ذلك على الحالة العامة والمعيشية للمدينة.

تساقط عشوائي

ومن المعروف أن الشارع الذي يشهد أي حدث أمني يتم إغلاقه على الفور ولو لفترة وجيزة، أو يتفادى المواطنون وبشكل عفوي المرور به كنوع من الخوف والحذر، وفي حالة قذائف الهاون، فإن الوضع حساس جداً، نظراً لكون هذه القذائف غير معروفة المصدر والوجهة وغير دقيقة الإصابة، لذا بات أي حي أو منطقة معرضاً للإصابة حتى لو لم يكن الهدف المقصود تماماً.

ومؤخراً، زاد عدد القذائف التي تسقط في أحياء دمشق، ووصل إلى أكثر من 30 قذيفة في يوم واحد، وأدت إلى مقتل طلاب مدارس وجامعات وموظفين ومدنيين. وحول تأثير تساقط القذائف النفسي على الحياة اليومية للناس في دمشق والمناطق المحيطة بها، فقد وصل إلى حد التعطل عن العمل والتوقف عن الذهاب للجامعة، وتأجيل المصالح والمعاملات، خوفاً من تردي الحالة في العاصمة.

تعطيل الأحوال والمصالح

وقالت «نور» 28 عاماً، خريجة علم نفس، إنه «بعد أن طالت مدة دراستي في الجامعة بسبب الزواج والإنجاب، تمكنت أخيراً من الوصول لمرحلة التخرج، إلا أن تصاعد الأحداث الأمنية في الفترة الأخيرة ووصولها لقلب دمشق، يشعرني بالقلق الشديد والخوف في كل مرة أقصد فيها الشام، وحتى الآن لم أُنه الأوراق المطلوبة مني للحصول على شهادة التخرج، بسبب خوفي الدائم من التنقل في شوارع دمشق، فلم أعد أشعر أن شيئاً يمكن أن يمنع القذيفة من السقوط في المنطقة التي أكون فيها، خاصة أنها استهدفت عدة مرات منطقة البرامكة حيث مقصدي الأساسي».

ومن جانبها عبرت «ميساء»  55 عاماً، موظفة متقاعدة، إنها «قررت التقاعد والتوقف عن العمل مؤخراً، وطبعاً تحتاج معاملة التقاعد إلى تنقل متكرر وعلى مدى أسابيع بين عدة جهات لإنهاء الأوراق والحصول على المستحقات المادية وغيرها، لكن كلما سمعت خبراً عن سقوط قذيفة هاون في دمشق أتردد أكثر عن المضي في معاملتي، والنزول إلى الشام، إضافة لتعطل الموظفين عن عملهم، بسبب عدم قدرتهم من الوصول إلى مكان العمل في حال حدوث أي حدث أمني من هذا النوع، ما يؤخر إنهاء معاملتي، ويتطلب مني التردد مرات أكثر إلى تلك المؤسسة أو الجهة، ويجعلني عرضة للخطر بصورة أكبر».

فيما عبر «علاء» 26 عاماً، موظف في جهة عامة، عن استيائه الشديد من الحال التي آلت إليها الأوضاع في دمشق، وقال إن «مكان عملي يقع في قلب العاصمة دمشق، لكني من سكان الريف، ورغم المعاناة سابقاً من طول الطريق وصعوبة المواصلات، إلا أن الأمان على الطريق لم يكن يشكل هاجساً أو مصدراً للقلق طوال الفترة السابقة»، مضيفاً «إلا أن توتر الأوضاع بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، بات مخيفاً، وزاد من صعوبة التنقل في العاصمة أو من العاصمة إلى المحيط، وباتت نقاط الالتقاء بين باصات الريف والمدينة مستهدفة، وبات أي مكان حكومي مقصداً لقذيفة الهاون مهما كانت طبيعة العمل في ذلك المكان، كما أن الساحات والشوارع عموماً أصبحت معرضة لهذا النوع من الاستهداف العشوائي، وبالتالي فقد تعيّن على الميكروباصات تحويل مسار خطها إلى مسارات أكثر أماناً وإن لم يكن الطريق الأساسي مغلقاً بشكل رسمي، فكان على من يريد الوصول إلى منطقة البرامكة مثلاً يوم سقوط القذائف فيها النزول والسير على الأقدام».

أهداف «مدنية» بامتياز

ففي الأسبوع الأخير وثّقت وسائل الإعلام أحداثاً كان آخرها مقتل 16 طالباً، الخميس 28/3/2013 ، بسبب سقوط قذائف هاون على كليّة هندسة العمارة في دمشق، وأخرى في محيط حديقة الجاحظ للمرة الثانية، وعلى أرض المعرض القديم عند جسر الرئيس، كما سقط قبل ذلك عدد من قذائف الهاون في محيط وكالة الأنباء السورية (سانا) وأخرى أصابت مدرسة للإناث في البختيار، وقذائف في جامع ضرار وكلية الحقوق ومشفى التوليد بدمشق، مودية بحياة عدد من المواطنين وإصابة عدد آخر.

وفي يوم الاثنين 25/3/2013 ، سقطت عدة قذائف في محيط الأركان ودار الأوبرا وشارع بغداد بدمشق، فيما شهد يوم 19/3/2013 ، سقوط قذائف في محيط حديقة الجاحظ والسفارة السعودية في دمشق.

ومن الملاحظ، أن معظم الأماكن التي سقطت فيها قذائف الهاون خلال الأسبوع الأخير، هي أماكن مدنية بامتياز، وخاصة عند الحديث عن مدرسة أو جامعة، فتكرار مثل هذه الأحداث وتعدد الإصابات، يؤثر بشكل كبير على ثقة الناس بإرسال أطفالهم إلى المدارس لاستكمال الدراسة، إضافة إلى حالة الذعر والخوف التي تصيب الأطفال المتواجدين وقت حصول الحدث، بعد رؤية رفاقهم يتساقطون جرحى أو موتى، وما إلى هنالك من تداعيات نفسية لاحقة قد ترافق هؤلاء الأطفال في حياتهم لاحقاً.

وبالمجمل فإن استمرار الحياة في المدينة لا يمكن أن يدعمه أو يعطله عامل أكثر من الشعور بالأمان، في الوقت الذي يمكن أن يؤدي انعدام الأمن إلى مضاعفات كبيرة خاصة إذا تعطلت المدارس والجهات العامة وتوقفت حركة السير وانعدم أي وجود للحياة في المدينة، ليكون موتاً بطيئاً من الداخل إلى الخارج.