الهندباء المقدسة..
محمد عصام زغلول محمد عصام زغلول

الهندباء المقدسة..

وقعت عيني على مكتبة في شاشة عربية، من ورائها رجل بهي الطلعة، والحق أن الكتب نادراً ما نراها على شاشاتنا، فمشاهدنا لا يهواها بقدر ما يهوى ما سفل وما علا من المقبحات أنفسهن ـ كما سماهن صديقنا الصحفي جهاد أسعد محمد، ويا حسن ما سمى ـ بفارق بسيط عن أي فيلم غربي يكاد لا يخلو من مشهد مكتبة.

ولشدة ولعي بالكتب أبقيتني جاحظاً أتابع، فإذا ببهي الطلعة يتحدث بحرارة عن ضرورة اقتناء الهندباء، والحصول عليها، لا بل والتموّن بها.

زاد شغفي وترقبي، وزادت حيرتي، إذ ما علمت قبل الساعة ولا رأيت الهندباء، وهي بالتأكيد ليست كتاباً، فحصرت خياراتي بالحيوان والنبات، وظهر لي من بهي الطلعة أنه طبيب، وكم كان ملحاحاً باقتناء تلكم الهندباء، والحديث عن خصائصها، فتأكدت عندها أنها نبات، وتشوقت لأعرف مصدرها وفوائدها علّي أَفيد منها وأُفيد!.

ويا لهذا الطبيب ما أبرعه وما أعقله وما أفقهه!.. روى عن فلان عن فلان قال: من أكل سبع ورقات هندباء قبل ظهر الجمعة دخل الجنة!!

قلت «بتنهيدة» كل مريض أمام طبيب «فهمان!!»:

رأى من الطب ما أبقراط لم يره                 في برء كل سخيف العقل مخذول

ألهذه الدرجة وصل السخف بأطبائنا وحكمائنا؟ يوزعون الجنة بأكل ورقات، ويشفون المرضى بالتفاهات، بل ألهذه الدرجة ظنوا أنا حمقى حتى قال واحدهم:

وذاك أني رأيت العقل مطّرحاً          فجئت أهل زماني بالحماقات

ألم يعد لديهم ما يشغلون الناس به، كي لا يشتكي الفقراء من جوع، ولا المساكين من عوز، يشاغلونهم بأكل الأوراق ويعدونهم بالجنة!

أي ربٍّ هذا الذي سيدخل آكل الوريقات جنته، سبحانه ما أحكمه لا بل:

سبحان من خصّ ابن معن بما                   أرى به من قلة العقل

اسمع يا سيادة الطبيب، ما أشد حمقاً منك إلا من صدقك، وما أفسد منك إلا من خرّجك، أنت وأشباه الأطباء والمثقفين، وأدعياء الكذب والمحتالين، لن تجدوا فينا من:

يكذب العقل في تصديق كاذبكم/ فالعقل أولى بإكرام وتصديق

وأحسب أني ومن يلوذ بي لن ندخل جنتك، جنة الهندباء، لأننا صباح الجمعة عادة نأكل «الفول وتوابعه» مع البصل والفجل والمخلل، فإن كان بالإمكان «تدبّرها»... «دبّرها»، وإلا فإني أعتذر إليك أشد الاعتذار خشية أن تقول:

من أكل الفول صباح كل جمعة دخل النار مع الكفرة والأشرار!!