الصراع الداخلي الأمريكي... مزيد من الانقسام يصل إلى أجهزة الدولة
لم يعد التراجع الأمريكي على المستوى العالمي، في مجالات الاقتصاد والسياسة والنفوذ، مجرد حقيقة معزولة، بل تحول إلى محرِّكٍ رئيسيّ لتسريع وتيرة صراعٍ وانقسامٍ داخليٍّ حادّ، لم يعد محصوراً في أروقة السياسة أو الحملات الانتخابية، بل تجاوزَها وصولاً إلى مؤسَّسات الدولة الأمريكية، ممَّا يعكس عمقَ الأزمة الداخلية في أمريكا. في مسارٍ يتصاعد تدريجياً وينذر بتفكك مؤسسات الدولة ومواجهةٍ شاملة.
ترامب والحرس الوطني
لم يتوانَ ترامب منذ وصوله للبيت الأبيض في توظيف الحرس الوطني للسيطرة وضبط الاستقرار في المناطق التي تشهد أعمال عنف ومهاجرين غير شرعيِّين، هذا بحسب رؤية ترامب، بينما يعتبر خصومُه وخاصة الديمقراطيين بأن العمليات العسكرية للحرس الوطني والتهديد بإقحام الجيش في هذه العمليات الأمنية هو محاولةٌ من ترامب للاستبداد بالسلطة، وفرض القوّة على السلطات المحلية في الولايات وخاصة الولايات الديمقراطية.
فبعد نشر ترامب للحرس الوطني في واشنطن العاصمة، وإعلان النصر على الطريقة الترامبية بوقتٍ قياسي، والاحتفال بإنجاز خفض نسبة الجريمة 87%، طلب ترامب من البنتاغون تسليح الحرس الوطني المنتشرين في الشوارع، وإعلان أن شيكاغو هي الوجهة المقبلة، مع خطة لنشر 1700 عنصرٍ في 19 ولاية أمريكية، ما اعتبره كثيرٌ من خصوم ترامب أنّه عسكرة للحياة المدنية للأمريكيين.
الديمقراطيون، بقيادة حُكّام ولايات ديمقراطية، اعتبروا هذه الخطوة تجاوزاً خطيراً للصلاحيات الدستورية، ووصفوها بمحاولة «الاستبداد بالسلطة». فعمدة شيكاغو، براندون جونسون، وصف خطة ترامب بأنها «أبشع انتهاك للدستور في القرن الحادي والعشرين»، مؤكِّداً أنَّ المدينة «لا تحتاج إلى احتلال عسكري».
وهذا التصعيد يفتح باباً واسعاً أمام صراعٍ قانوني ودستوري حول حدود صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية داخل الأراضي الأمريكية، ومتى يحقُّ له استخدامُ السلطات الفيدرالية. فيما يعتقد آخرون أن ما يجري هو تمهيدٌ لاستخدام العنف والقمع بشكل مركزيّ في حال حدوث تمرُّدٍ ما، الأمر الذي يَعلَمُ قادةُ وصُنَّاع القرار أنه آتٍ، ويبقى السؤال حول كيفية التعامل معه.
الاستخبارات في قلب الصراع: انهيار الحيادية
مؤخراً وصل الصراع إلى قلب مجتمع الاستخبارات الأمريكي، الذي كان يُنظَر إليه تقليدياً كمؤسسة محايدة تُقدِّم المعلومات دون تحيّز سياسي. اليوم يواجِهُ مجتمعُ الاستخبارات في الولايات المتحدة أزمةً قد تعيد صياغة صورته لعقود مقبلة.
في تطوُّر لافت، أعلنت مديرة المخابرات الوطنية، تولسي غابارد، نشرَ وثائق سرّية تتعلق بالتدخلات المزعومة في الانتخابات الأمريكية عامي 2016 و2020، وخاصة تلك التي تتناول علاقة ترامب بروسيا. واللافت في الأمر أنَّ غابارد قامت بذلك دون التنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) متجاهلةً تحذيرات داخلية من تداعيات هذا التصرف على الأمن القومي، وتناقلت وسائل الإعلام الأمريكية حديث غاباراد بأن هناك محاولات متعمَّدة لإخفائها وتضليل الكونغرس والجمهور الأمريكي.
هذا التحرك لم يكن مجرد إجراء بيروقراطي، بل كان إشارةً واضحة إلى أنّ الاستخبارات الأمريكية لم تعد بمنأى عن الصراع السياسي. فالإدارة الحالية تدفع باتجاه محاسبة قادة الاستخبارات، متَّهمة إيّاهم بتنفيذ «حملة سياسية منسَّقة» لتضليل الكونغرس والشعب حول ترامب وروسيا. وفي المقابل، يرى منتقدو ترامب أنَّ هذه الاتهامات تهدف إلى تقويض مصداقية المؤسسات الاستخبارية، وحذَّروا من خطورة الخطوة التي قامت بها غاباراد بذريعة أنها تهدِّد «مصادر وأساليب العمل الاستخباراتي».
الضغط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي: صراعٌ اقتصادي يعمق الانقسام
وفيما تتصاعد الأزمة الأمنية والسياسية، لا يقل صراع ترامب مع مجلس الاحتياطي الفيدرالي خطورةً. فرغم استقلالية البنك المركزي الأمريكي نظرياً، يواصل ترامب ممارسة ضغوط متزايدة على رئيسه جيروم باول لخفض أسعار الفائدة، بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية قصيرة الأجل.
هذا الضغط يهدد بتقويض استقلال المؤسسة النقدية، ويفتح الباب أمام تدخلات سياسية في قرارات اقتصادية حسَّاسة. والأمر لم يقف عند التصريحات، بل تطوَّر إلى خطوة استثنائية بإقالة المحافظة ليزا كوك «بأثر فوري»، بذريعة الاشتباه في تورطها بقضية احتيال عقاري.
المحافِظة رفضت الاستقالة وتحدَّت قرارَ ترامب، واصفة الخطوة بأنها سابقة خطيرة، إذ تُهدِّدُ بتحويل البنك الفيدرالي إلى أداةٍ تنفيذية رديفة للسلطة السياسية، ما قد يُضعِفُ ثقةَ العالَم بالدولار، ويُفاقِم التضخُّم، ويُقوِّض الاستقرار الاقتصادي الأمريكي والعالَمي.
هل نحن أمام صراع داخلي حقيقي؟
الصراع الداخلي في الولايات المتحدة لم يعد مجرَّد خلافٍ انتخابي أو سياسيّ عابر. بل أصبح صراعاً على مستقبل الدولة، وعلى طبيعة نظام الحكم نفسه. من الحرس الوطني إلى البنك الفيدرالي، ومن الكونغرس إلى وكالة الاستخبارات، ومن طبيعة هذه المؤسسات يظهر أن الصراع ليس في محاولة السيطرة على مفاصل محدَّدة من هذه المؤسسة أو تلك بل الهدف هو فرض طريقة محدَّدة في إدارة الدولة. ومع تراجع الوزن الأمريكي على المستوى العالمي، يَفتح هذا الصراع البابَ واسعاً نحو مزيد من الانقسام، وصولاً لانفجار داخلي يهدد وحدة البلاد.