مائة وخمسون عاماً على نشر «رأس المال»
أكمل كارل ماركس المسودة الأولى لمؤلفه "راس المال" في حوالي اربعة سنوات ونصف
صديق عبد الهادي صديق عبد الهادي

مائة وخمسون عاماً على نشر «رأس المال»

مرت في يوم 14 أيلول 2017 الذكرى الخمسون بعد المائة لنشر كتاب المفكر كارل ماركس، الشهير والمعروف بإسم «رأس المال». تعتبره كثيرٌ من الجهات المهتمة بالفكر الإنساني، ونؤكد على الفكر الإنساني، تعتبره من أهم الكتب على مر التاريخ البشري.

بمناسبة هذه الذكرى سيحاول هذا المقال أن يلقي أولاً ضوءاً على الظروف التي كتب فيها كارل ماركس كتاب «رأس المال»، ثم ثانياً الإشارة إلى أهم الأفكار النظرية حول الاقتصاد السياسي التي أنتجها ماركس، وطورها.
بدأت الكتابات المؤثرة والأكثر اهمية لماركس بعد لجوئه إلى بريطانيا واستقراره في مدينة لندن، والتي وصلها في آب من العام 1849، أي أن عمره كان وقتها واحداً وثلاثين عاماً، وذلك بعد أن ضاقت به القارة الأوربية على إتساعها. لجأ إلى بريطانيا إثر قرار حكومي بطرده من فرنسا، ولتلحق به زوجته وأطفاله الثلاث، ولتستقر العائلة في لندن.

(2)
عاش ماركس واسرته حياة بائسة في لندن. إن سيرة ماركس مع الفقر سيرة فريدة في تاريخ المفكرين. جرب ماركس كل السبل في مواجهة الفقر، من رهنٍ للمتعلقات الشخصية الخاصة، والاغراض الثمينة لديه ولدى زوجته. تعرض لتجارب مريرة تحت وطأة الفقر، وصلت حد فقدانه أطفاله نتيجة ذلك، إن كان بشكلٍ مباشر او غير مباشر. وقد كتب لصديقه انجلز عن تجربة موت احد طفلاته، والتي لم يكن غير ان يتبرع أحد الاصدقاء من اللاجئين الفرنسيين بدفع مبلغ التابوت لستر رفاتها، اي جنيهان لم يكن في إستطاعة ماركس توفيرها، كتب قائلاً، "مع اني امتلك من القوة ورباطة الجأش، إلا ان هذه المرة قد هزني هذا الوضع الخرب، عميقاً"(من رسالة بتاريخ 28 أبريل 1852م).
يُرجِّح كل كتَّاب سيرة ماركس على ان الأمراض التي ألمتْ به ، وظل يغالبها لوقت طويل، والتي كانت سبباً مباشراً في وفاته، لها علاقة بالفقر مادياً ومعنوياً، لحدٍ كبير. وهي في مجملها، وبشكلٍ عام، حالة لا تتكرر بين المفكرين، الذين قضوا، دعك من مفكريين نوعيين من امثال كارل ماركس. إنه، وبالرغم من وقوف صديقه فردريك انجلز إلى جانبه ماداً يد العون من نواحي عديدة إلا ان معاناة ماركس مع الفقر كانت متلاحقة. وقد يكون واحداً ممنْ وصفوا وضع ماركس بدقة حينها، هو الكاتب الأمريكي من أصل نمساوي، "ساول بادوفر" وقت قال، "بدأ ماركس دراسته الجادة للاقتصاد في المتحف البريطاني (المكتبة البريطانية الآن)، ولكنه كان وبشكلٍ دائم تحت ضغط ضائقة البؤس، والامراض التي تلم بالعائلة، وكذلك الوضع المعيشي الذي كان على حافة الجوع. كان وضعاً مزرياً مما إضطر أنجلز لابتلاع أنفته في نوفمبر 1850 لقبول العمل في مصانع والده للنسيج في مانشستر، وذلك لاجل ان يدعم ماركس وعائلته مالياً".(تفاصيل اكثر في هذا الشأن تحت العنوان الجانبي "ماركس والفقر" من كتابنا "ماركس الآخر"، قريباً)
ولكن مما يستدعي التأمل هو أنه وفي ظل هذه الظروف الإستثنائية أستطاع كارل ماركس ان ينتج افكاراً تكاد أن تكون فلقتْ مسار التاريخ إلى نصفين، وتربعت بين صفحاته كانصع وارفع ما يكون من أفكارٍ في مجال الإقتصاد السياسي!.

(3)
لم يعرف دكتور كارل ماركس عملاً وظيفياً مستقراً، إذا ما استثنينا عمله ككاتب وكمراسل من لندن لجريدة "نيويورك ديلي تربيون" في الولايات المتحدة الامريكية. فبالرغم من تأهله وبروزه في مجال الفلسفة لم تُتح له فرصة الالتحاق باي من الجامعات في مجال التدريس، وكانت تلك هي رغبته الأكيدة، وذلك بسبب أفكاره الثورية، وليس ذلك وحسب وانما ظل ملاحقاً من بلدٍ إلى آخر، بل وحتى يوم وفاته لم تكن له جنسية معروفة او جواز سفر رسمي، بعد ان تخلى طوعاً عن جنسيته البروسية/الألمانية، وبعد ان رفضت كذلك السلطات البريطانية طلبه للتجنس. ولكن مما لاشك فيه أن بريطانيا كانت البلد الوحيد الذي إستقبل ماركس كلاجئ، مثله وبقية لاجئي اوربا السياسيين، الذين كانت لندن وقتها هي قبلتهم الاكثر أمناً. كانت لندن بالنسبة لماركس اكثر من ذلك، حيث كانت المكان الذي كتب فيه أقيم مولفاته، كتاب "رأس المال". منها علتْ شهرته، ومنها سارت ركبان أفكاره تجاه كل الأنحاء.
أكمل كارل ماركس المسودة الأولى لمؤلفه "راس المال" في حوالي اربعة سنوات ونصف، حيث انه بدأ الكتابة فيه في بداية يونيو 1861 وإنتهى منها في اواخر ديسمبر 1865، ولكن "راس المال"، الجزء الاول، إكتمل بشكل نهائي في مارس 1867، وليتم بعد ذلك نشره من مدينة هامبورغ في المانيا في 14 سبتمبر 1867. إنه كان حصيلة بحثٍ إستمر لما يقارب العقدين.
بدأ تبلور إنتباه ماركس وإهتمامه الجاد بقضايا الإقتصاد السياسي ودراستها، وكما يؤكد المؤرخون، بعد إلتقائه بصديق عمره وشريكه في صياغة العديد من الأعمال النظرية، فردريك أنجلز. بدأ ماركس في الدراسة الجادة للاقتصاد السياسي بعد تسع سنوات من تخرجه ومن نيله للدكتوراة في الفلسفة، اي في العام 1850. ومعروفٌ عنه أنه في مجال الدراسة والتحصيل، كان اشبه بـ"ماكينة بشرية" حيث يلتهم الكتب بضورٍ معرفيٍّ حقيقي. وقد إنعكس ذلك في فيض المعلومات والافكار التي دائماً ما كان يفصح عنها أثناء الحوارات التي كان يخوضها مع زملائه وأصدقائه. وقد وصفه احد أصدقائه في جامعة برلين، وهو كارل كوبين، بقوله "إنه ترسانة من الأفكار ومصنع حقيقي لها". وأعتقد أن ذلك كان مصدرها الأول كعبارة شهيرة إندرجت في تاريخ الكتابة المعاصر.

(4)
حينما بدأ في تأليف "راس المال"، لم يات ماركس إلى مشروعه هذا خالي الوفاض، إنما جاء بذخيرة وافرة من الكتابة والتأليف، وإن كانت في مجالات مختلفة عن مجال الإقتصاد السياسي، بشكله الفاقع، الذي اتقنه وانفق فيه بقية عمره!. ومن بين تلك تجيئ المحاضرات التي قدمها لجمعية العمال الألمان في أواخر العام 1847، ومن ثم "البيان الشيوعي" بالإشتراك مع فردريك وانجلز، في يناير 1848، وغيرها. كانت كتابات ماركس تلك تحمل في أحشائها إرهاصات لافكار مثلت جزء من الانتاج النظري الذي إحتواه كتاب "راس المال"، على وجه الدقة.
إنه، وبشكل عام غطت إسهامات ماركس النظرية ثلاث مجالات، أهمها نقد الإقتصاد السياسي، تاريخ أفكار الإقتصاد والاشتراكية. تمخض من العمل النظري الضخم في مجال نقد الإقتصاد السياسي، مؤلف "رأس المال" بأجزائه الثلاثة. وقد شمل الجزء الاول، والذي نحن الآن بصدد ذكراه، مساهمات ماركس النظرية حول القيمة، النقود ورأس المال بشكل عام، وفي ذلك بحث نظرياً في عملية الإنتاج حيث قام بالتشريح النظري لمفهوم السلعة والنقود، والعمل الأجور، القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، القيمة الزائدة ومن ثم عملية التراكم الرأسمالي.
وأما الجزء الثاني فقد كان محوره الأساس هو التبادل، وفي الجزء الثالث، الربح والريع، والإعتماد والتمويل، واما ما تمّ التواضع عليه بالجزء الرابع فقد عني بنظريات القيمة الزائدة بشكل اساس. لم ينشر كارل ماركس في حياته غير الجزء الاول من "رأس المال" في 14 سبتمبر 1867، وحيث قام فردريك انجلز بنشر الجزء الثاني والثالث، بعد وفاة ماركس، في الاعوام 1885 و1894 على التوالي. وقد بذل انجلز مجهوداً مقدراً في تحرير وإعداد هذين الجزئين لانهما لم يكونا مكتملي الاعداد كما كان يعتقد، وذلك لان ماركس كان في السنوات الأخيرة في حالة من الترحال الدائم لاجل الإستشفاء. وأما في الفترة ما بين 1905 و 1910 فقد نشر كارل كاوتسكي مجلدات القيمة الزائدة.

(5)
ذهب ماركس بنفسه من لندن إلى هامبورغ في المانيا وأعطى مسودة الجزء الاول للناشر "كارل ميسنر"، الذي قام بنشر "راس المال"، الجزء الأول، في يوم 14 سبتمبر 1867، ومنذها لم تتوقف الضجة التي ترتبت على نشر هذا الكتاب. والذي احدث تحولاً مشهوداً ليس في علم الإقتصاد السياسي وحسب وإنما في مجمل تاريخ الفكر الإنساني وكذلك في التاريخ الإجتماعي والسياسي للعالم. ومن الحقائق الساطعة انه على إثر ذلك لم تكره البرجوازية مفكراً قط مثل كراهيتها لكارل ماركس، وبقدر ما انه يعتبرها مسئولة عن شقاء الانسان، فتعتبره هي المسئول الأول عن التأسيس النظري للعداء الموجه ضدها. ولمعرفته لتلك الحقيقة، وبعد إنتهائه من "رأس المال" والدفع به للنشر، كتب إلى صديقه أنجلز وبسخريته المعهودة قائلاً، "وعلى كل الأحوال اتمنى ان يتذكر البرجوازيون دماملي هذه، طيلة ما تبقى من حياتهم"، (من رسالة بتاريخ 22 يونيو 1867). ومن المعروف ان ماركس ومن كثرة جلوسه الساعات الطوال لاجل الإطلاع والتحصيل والبحث في مكتبة المتحف البريطاني، كان أن اصابته قروح ودمامل لم يشف منها، وكثيراً ما إضطرته لان يكون قائماً!.

(6)
وفي الختام، هناك قولٌ مهم، وهو ومثلما أشار المفكر الراحل محمد إبراهيم نقد في مساهمته الشهيرة، بان الجمود قد اصبح يحاصر أفكار ماركس وأنجلز حول الإشتراكية، فإن التطور العاصف، على المستوى العملي وكذلك النظري في حقول المعرفة فيما يتعلق بالإنتاج الإقتصادي وتطور القوى المنتجة، وتقدم وسائل التبادل والذي يكاد ان يلغي النقود بشكلها التقليدي، كل ذلك اصبح يحاصر مفاهيم نظرية اساسية تقدم بها ماركس في مؤلفه الموسوم "راس المال"، وعلى رأسها مفهوم القيمة الزائدة، احد اهم المرتكزات النظرية لمساهماته في مجال الإقتصاد السياسي!.
لقد أصبح كارل ماركس، اليوم، يحتاج وبشكل ملح للتطوير، سيما بعد تكرار إطلالاته الظافرة عند كل منحى صعب في تاريخ العالم، نتيجة الأزمات التي تدخله فيها قوى الرأسمال. وقد شهد العالم مؤخراً عودته الطاغية بعد الإنهيار الذي أصاب الإقتصاد العالمي في العام 2008، كما وشهد أيضاً نفاد مولفه "رأس المال"، الذي تمت إعادة طباعته، ليتصدر واجهة الكتب بعد مرور ما يقارب القرن ونصف من الزمان.
إنه، وبوفاته في العام 1883 إرتاح كارل ماركس من "دمامله" و"آلامه" إلى الابد، إلا ان البرجوازية وبكل فئاتها "التليدة" منها و"الطفيلية" المعاصرة، ستظل في تذكره المقلق، أكثر من أي طبقة إجتماعية أخرى، ما ظلت هي على وجه هذه الأرض.

عن «سودنايل» بتصرف

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء» لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني