اسمعوا ما يقوله الإعلام الأمريكي و«الإسرائيلي»: (فشلنا)!
قبل ستة أسابيع، عندما بدأت الحرب «الإسرائيلية»-الأمريكية على إيران، خرج مسؤولو الدولتين المعتديتين واعدين جماهيرهم، والعالم بأسره، بانتصار سريع وحاسم، وإسقاط للنظام الإيراني و«استسلام كامل». إلا أن الحرب قالت كلاماً آخر، بدأت الهدنة –التي ما تزال شديدة الهشاشة- تترجمه إلى ما هو قريب من اعتراف علني بالفشل؛ فبعد أسابيع من التصعيد، انتهى العدوان مؤقتاً بـ «وقف إطلاق نار»، وبتراجع أمريكي، وتآكل في قدرة الردع «الإسرائيلية». وعلى الرغم من محاولات حثيثة لتغطية الخسائر، إلا أن معظم المحللين، وحتى بعض المسؤولين في هاتين الدولتين، تسود خطابهم نبرة أقرب إلى اعتراف صريح بالهزيمة.
تتناول هذه المادة بعض التصريحات والمقالات في إعلام الكيان والإعلام الأمريكي والغربي، والتي من خلالها يمكن تقييم ثلاثة أنواع من الخسائر التي تكبدتها أمريكا و«إسرائيل»، والتي يتم الاعتراف بها: الخسائر المباشرة من الحرب، الخسائر السياسية والاستراتيجية، والخسائر طويلة المدى.
أولاً: الخسائر المباشرة
الخطوة الأولى في تقييم الخسائر المباشرة، تتطلب التذكير بالأهداف المعلنة للحرب، وهي كما في معظم حروبهم، كانت إسقاط النظام الإيراني. إلا أن النتيجة كانت أن النظام بقي، بل خرج من الحرب أكثر ثباتاً وأكثر شعبية وفقاً للتقييمات الغربية، ما أظهر فجوة صارخة بين خطاب ما قبل الحرب ونتائجها.
نشرت صحيفة «معاريف» في 11 نيسان الجاري مقالة، بعنوان «لا تزال إيران تشكل تهديداً للشرق الأوسط، بينما نحن نتحدث عن النصر»، يسرد فيها الكاتب «الإنجازات» التي حققتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» في حربهما على إيران. يقول الكاتب: «في مكان بعيد، في البيت الأبيض، قرر دونالد ذو الشعر الأحمر أنه قد انتصر. إن الكلام الفارغ الذي أطلقه ذو الشعر الأحمر خلال أربعين يوماً من القتال أشبه بنبع متدفق يتطلب بحثاً نفسياً معمقاً وشاملاً، سيشرح للبشرية في غضون سنوات قليلة ما كان يجري بالضبط. كيف وقع رجل في الثمانين من عمره، تُوّج خبيراً في إدارة الصفقات، ضحيةً لنزوات منتحل شخصية تشرشل (أي نتنياهو). وفقاً لتلك النزوات، سينهار النظام الإيراني، وسيحدث انقلاب، وسيتم استخراج اليورانيوم من إيران، وسيتم تدمير صناعة الصواريخ الباليستية، وسينهار نظام الحرس الثوري، وستتم هزيمة وكلاء حزب الله على الأراضي اللبنانية، وسيسود السلام الإقليمي في الشرق الأوسط. لم يحدث هذا، بل على العكس تماماً». وأضاف، ضمن ما قاله: إن «إيران كانت لديها استراتيجية»، وهذا ما جعلها في وضع أفضل من الولايات المتحدة و«إسرائيل». كما تحدث حول ظاهرة الأشخاص المتعاطفين مع إيران، حتى داخل الكيان.
يصبّ أيضاً في الخسائر المباشرة، تغيّر المقاربة خلال الحرب، حيث تحولت صيغة الحرب من الهجوم إلى البحث عن مخرجٍ، ومخرج سريع. في بداية الحرب، قال ترامب في تغريدة له على منصته «Truth Social»: «لن يكون هناك أي اتفاق مع إيران سوى الاستسلام غير المشروط!»، إلا أنه، وبحسب مقالة نشرتها «Financial Times»، في 8 نيسان الجاري، فإن البيت الأبيض ضغط على باكستان للتوسط في هدنة مؤقتة مع إيران؛ في الوقت نفسه الذي كان ترامب ينشر تغريدته التي قال فيها مهدداً، بأن «حضارة بأكملها سيتم تدميرها الليلة، ولن تعود أبداً».
ونوه تقرير نشرته «رويترز» في 10 نيسان إلى ذلك التحول: «أعلن ترامب في نهاية المطاف عن وقف إطلاق النار في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قبل ساعات فقط من الموعد النهائي مساء الثلاثاء، والذي كان قد هدد بأنه بعد ذلك سيقوم بتدمير الحضارة الإيرانية بأكملها. كان هذا التراجع أحد أكثر التحولات المفاجئة في زمن الحرب التي قام بها أي رئيس أمريكي». هذا التحول في خطاب ترامب نفسه، من الاستسلام غير المشروط، ثم التهديد بتدمير إيران وحضارتها، إلى البحث عن مخرج تفاوضي سريع، يشكّل اعترافاً ضمنياً بالعجز عن الحسم، ولا يدل على أن من قام به يعتبر نفسه منتصراً، أو أنه يستطيع الانتصار، وفقاً للتقرير.
ويقول التقرير ذاته: إن ترامب أراد أن يلقي «خطاباً متلفزاً على الصعيد الوطني يوم الثلاثاء بشأن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، لكنه قرر عدم القيام بذلك، حيث أعرب بعض المساعدين والمستشارين سراً عن قلقهم من احتمال المبالغة في الترويج للاتفاق الذي لا يزال في مراحله الأولى... وقال أحد المصادر: إن ترامب كان مصمماً على إلقاء الخطاب... وقالت المصادر: إن كبار مستشاري ترامب كانوا يدرسون بنود الاتفاق، ولم يعتقدوا أن لديهم وضوحاً كافياً ليتمكن الرئيس من مخاطبة الأمة». هذا التردد وغياب الثقة في نهاية الحرب، والتي لم تكن النهاية المرجوة، ولكن التردد بحد ذاته يدل على أنه حتى هذه النهاية لم تكن قابلة للتسويق السياسي.
خلال مقابلة مع نائب الرئيس الأمريكي، في 10 نيسان، قبل توجهه إلى باكستان للمفاوضات مع الإيرانيين، قال: «أعتقد أن الأمور ستكون إيجابية... وكما قال رئيس الولايات المتحدة: إذا كان الإيرانيون مستعدين للتفاوض بحسن نية، فنحن بالتأكيد على استعداد لتقديم المساعدة. لذا سنحاول إجراء مفاوضات إيجابية».
إحدى الخسائر المباشرة التي تكبدتها «إسرائيل»، كانت تآكل قدرتها على الردع، والتي كانت على مدى عقود سياستها في الحروب مع محيطها، أي الضرب الاستباقي في أراضي الدول الأخرى، ونقل ساحة المعركة إليها، لضمان عدم تعرضها للهجمات، الأمر الذي بدأ بالتآكل منذ 7 تشرين الأول 2023، ولكن تجلى بشكل واضح وصارخ في هذه الحرب. من أهم ما حصل في هذا الصدد، كان قدرة إيران على ضرب الداخل «الإسرائيلي» بصواريخ مباشرة، أوقعت قتلى وجرحى، وأدت إلى دمار لم تشهده «إسرائيل» من قبل. كما تم إغلاق المجال الجوي «الإسرائيلي»، الأمر الذي نادراً ما حدث من قبل، نتيجة قوة الردع التي مارسها الكيان على مدى عقود.
نشر أحد مراكز الدراسات «الإسرائيلية»، وهو «مركز ألما للبحوث والتعليم»، في 9 نيسان الجاري، في تقريره اليومي حول الحرب، أن «الحملة بين إيران وإسرائيل اتسمت بنمط ثابت من موجات الهجمات المتواصلة، حيث تم رصد 479 موجة هجوم إيرانية بين 28 شباط و8 نيسان 2026، نُفذت في المقام الأول باستخدام صواريخ باليستية. وخلال هذه الهجمات، قُتل 21 شخصاً وأُصيب أكثر من 7433 آخرين».
نشرت صحيفة «هآرتس» في 8 نيسان الجاري، مقالة بعنوان «من «النصر الكامل» إلى الفشل الاستراتيجي: وقف إطلاق النار يُضعف إسرائيل ويقوّي إيران». يقول الكاتب: «تدهور وضع إسرائيل بشكلٍ لا يمكن تقديره. ضحايا، جرحى، مبانٍ مدمرة، صفارات إنذار وملاجئ متفجرة بشكل روتيني، اقتصاد مُنهار، نظام تعليمي مُعلق، ومطار بن غوريون مُغلق. ولماذا كل هذا؟ ناهيك عن الضربة القاسية التي تلقاها الشمال وسكانه، الذين كانوا قد بدأوا للتو في لملمة شتات الحرب السابقة، ليكتشفوا أن حزب الله لم «يتبخر» أو «يتراجع لسنوات»، بل على العكس، أُعيد بناؤه».

رافق كل ذلك، خسائر ميدانية وارتباك عسكري واضح، من خلال الخسائر العسكرية والهزائم الميدانية التي لم تتمكن أمريكا بالأخص من إخفائها، رغم محاولاتها التغطية عليها. تشمل هذه الخسائر إسقاطاً لطائرات أمريكية داخل إيران، تبعها عمليات إنقاذ للطيارَين اللذَين كانا على متنها، حيث شارك عدد كبير من الطيارات بهذه العمليات المحفوفة بالمخاطر، نتج عنها إنقاذ واحد من الطيارين اللذَين فقدا نتيجة إسقاط الطيارات.
ما تم الاعتراف به من خسائر كان 15 قتيلاً من الأفراد العسكريين، وأكثر من 350 جريحاً، إضافة إلى أضرار في المعدات، بينها ما يقارب 20 طائرة عسكرية متنوعة، وأضرار لحاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد»، وأضرار في 17 موقع أمريكي على الأقل في المنطقة بما فيها أنظمة الرادار ومحطات الأقمار الصناعية.
أما التكلفة المالية، فوفق صحيفة واشنطن بوست، أطلقت الولايات المتحدة أكثر من 850 صاروخ توماهوك، بتكلفة 3.5 مليون دولار للصاروخ الواحد، خلال الأسابيع الأربعة الأولى من النزاع.
كما خسرت الولايات المتحدة ثلاث طائرات من طراز «إف-15 إي سترايك إيغل»، تبلغ قيمة كل منها 31 مليون دولار، في الأول من آذار، بعد أن «أسقطتها الكويت عن طريق الخطأ». وفُقدت طائرة رابعة يوم الجمعة، مما استدعى عملية إنقاذ واسعة النطاق شاركت فيها عشرات الطائرات الأمريكية، ومئات من القوات الخاصة لاستعادة خبير أسلحة كان عالقاً خلف خطوط العدو، (علماً أن الأرقام والمعلومات السابقة، رغم ضخامتها، إلا أنها أقل من الوقائع بكثير نتيجة الرقابة العسكرية على الإعلام، ونتيجة تأليف روايات يزداد الحديث عن عدم صحتها، كما هو الأمر في إسقاط الكويت للطائرات، وفي «عملية الإنقاذ» المفترضة).
وأفادت صحيفة وول ستريت جورنال، بأن الولايات المتحدة «اضطرت» إلى تدمير طائرتين من طراز «MC-130»، تبلغ قيمة كل منهما أكثر من 100 مليون دولار، خلال مهمة إنقاذ، بعد تعرضهما لأعطال ميكانيكية داخل إيران. وفي سياق منفصل، زعمت إيران أنها دمرت مروحيتين أمريكيتين من طراز «بلاك هوك»، تبلغ قيمة كل منهما 21 مليون دولار. وتعرضت حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد»، التي تبلغ تكلفتها 13 مليار دولار، لحريق منفصل في 12 مارس، واضطرت للعودة إلى اليونان لإجراء الإصلاحات.
وبحسب بعض المصادر، بلغت تكلفة الأيام الستة الأولى من الحرب وحدها ما يقدر بنحو 12,7 مليار دولار، كما طلب البنتاغون 200 مليار دولار كتمويل إضافي لاستبدال الأنظمة والذخائر المتضررة. وأطلقت القوات الأمريكية في الشهر الأول أكثر من 850 صاروخ «توماهوك»، وتكلفة كل صاروخ 3,5 مليون دولار.
ثانياً: الخسائر السياسية والاستراتيجية
هذا النوع من الخسائر لا يمكن التقليل منه أو الاستهانة به، لما له من أثر على المدى البعيد على علاقات الدول مع أمريكا، وأكثر من ذلك، مع «إسرائيل»، وبالمحصلة مع إيران أيضاً. ضمن هذه الخسائر يمكن لمس زيادة العزلة وتراجع الدعم الدولي، بالأخص لـ «إسرائيل»، والذي عمّق العزلة التي بدأت منذ حربها الأخيرة على غزة. إحدى تجليات الخسائر الاستراتيجية هي صورة «الحرب العبثية» في الإعلام الغربي، وهو فعلياً خطاب يعكس حالة من الهلع، ما يصب أيضاً في انتقاص شرعية الحرب.
وزيرة خارجية المملكة المتحدة، يافيت كوبير، قالت في مؤتمر صحفي في 10 نيسان الجاري، «لقد استخلصنا العبر من الماضي القريب، وخاصة من العراق. ومهما كانت الضغوط من جهات أو دول أخرى، فإننا لا نعتقد أنه من الصواب تفويض سياستنا الخارجية لأي جهة... لذا لم نلجأ إلى أي عمل هجومي... ولا يزال أمامنا الكثير من العمل لبناء تسوية مستدامة، تُحقق الأمن للمنطقة، وأود أن أؤكد بوضوح، يجب أن تشمل لبنان».
بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، وهو أول أمريكي يتم انتخابه لهذا المنصب، قال في منشور له على منصة «X» يوم الجمعة 10 نيسان: «الله لا يبارك أي صراع. كل من هو تلميذ للمسيح، أمير السلام، لا يقف أبداً في صف من حملوا السيف يوماً ويرمون القنابل اليوم. لن يخلق العمل العسكري مجالاً للحرية أو أوقاتاً من السلام، الذي لا يتحقق إلا بالصبر والصبر في تعزيز التعايش والحوار بين الشعوب». ومن الجدير بالذكر بأن البابا سبق وانتقد سياسات ترامب، حيث تكلم في خطاب «حالة العالم» في 9 كانون الثاني الماضي عن الآثار السلبية للحروب التي تشنها الولايات المتحدة ضد دول، مثل: فنزويلا وإيران وكوبا. وبحسب مقالة نشرها موقع «Common Dreams»، فإنه بعد ذلك الخطاب، «استدعى وكيل وزارة الدفاع الأمريكية للسياسة إلبريدج كولبي الكاردينال كريستوف بيير، الممثل الدبلوماسي للفاتيكان في الولايات المتحدة، إلى واشنطن، وقال له: إن الولايات المتحدة «تمتلك القوة العسكرية لفعل ما تشاء في العالم»، وقال... «من الأفضل للكنيسة الكاثوليكية أن تنحاز إلى جانبها»». واعتبر الفاتيكان هذا تهديداً باستخدام القوة العسكرية ضدها، ومنذ ذلك الحين، أدلى البابا بالعديد من التصريحات بشكل غير مباشر، ولكنها واضحة ضد الحروب التي تشنها أمريكا في العالم، ومنها التغريدة أعلاه قبل يومين، وبالأخص للرد على إشارات إدارة ترامب المتكررة إلى الله أثناء الحرب على إيران. وعند الأخذ بعين الاعتبار مكانة البابا لدى شريحة كبيرة من الناس في كافة أنحاء العالم، فإن هذه التصريحات تقوّض الشرعية الأخلاقية والدينية للحرب لدى مئات الملايين من البشر.
قد تكون الخسائر السياسية الأوضح لهذه الحرب هي تصدع الثقة بالقيادة، في الولايات المتحدة، وبشكل أوضح في الكيان، حيث ظهرت انتقادات مباشرة لنتنياهو بسبب سوء التقدير الاستراتيجي. وما حصل في المحصلة، هو أن الحرب التي تم تقديمها للجمهور، لا سيما في الكيان، كضرورة وجودية، تحولت إلى عبءٍ سياسي داخلي، قد تكون له تبعات ليس على نتنياهو فقط، بل وعلى الكيان وعلى الرأي العام تجاهه.
نشرت صحيفة «معاريف» في 11 نيسان الجاري، مقالة بعنوان «شكراً بيبي: الجيل الشاب في أمريكا ينظر إلينا ويشعر بالغثيان»، يقول الكاتب فيها: «إن علاقتنا مع أمريكا هي بمثابة كنز ثمين لنا. يجب الحفاظ عليها، وعدم المساس بها، وعدم زعزعتها، وعدم تعريضها للخطر. يجب معاملتها كأقدس الأقداس. وهذا معاكس تماماً لسلوك نتنياهو المتوحش في السنوات الأخيرة. والآن، كل ذلك في خطر حقيقي»، ويضيف، «أظهر استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة بيو في الولايات المتحدة، بيانات صادمة ومثيرة للقلق حول وضعنا بين الناخبين الأمريكيين: فللمرة الأولى على الإطلاق، يحمل 60% من الأمريكيين رأياً سلبياً تجاه إسرائيل، بينما يحمل 37% فقط رأياً إيجابياً. في عهد حكومة بينيت-لابيد، كانت النسبة 55% إيجابية و41% سلبية. يسود النفور من إسرائيل بين الديمقراطيين، ولكنه موجود أيضاً ويتزايد بين الجمهوريين. في كلا الحزبين، غالبية الناخبين دون سن الخمسين ضدنا. يصعب استيعاب هذه الأرقام. نحن عملياً نتبادل الأدوار مع الفلسطينيين... لا يمكن إعفاء نتنياهو وحكومته من المسؤولية المباشرة. بدأ الأمر بالفظاظة التي انتهك بها نتنياهو المبدأ المقدس المتمثل في عدم التدخل في السياسة الأمريكية الداخلية، والحفاظ على الدعم الحزبي لإسرائيل مهما كلف الأمر... علينا أن نأمل في كبح هذا الانحدار. تكمن المشكلة في أن نتنياهو لا يتعلم من أخطائه، فهو وغد متمرس».
قال يائير لابيد، زعيم المعارضة الرئيسي في «إسرائيل»، في مؤتمر صحفي في 8 نيسان الجاري: «ما حدث هنا كارثة دبلوماسية لم أشهد مثيلاً لها من قبل. هذه المرة اتضح جلياً: القوة العسكرية دون خطة سياسية لا تؤدي إلى النصر. لقد قادنا نتنياهو إلى انهيار استراتيجي لا يقل خطورة... لقد ألحقنا ضرراً بالغاً بإيران. ولهذا السبب تحديداً، يبرز الفشل الذريع بشكلٍ أكبر. للرئيس ترامب وفريقه اعتباراتهم الخاصة... لكن من وجهة نظر إسرائيل، هذه ليست النتيجة المرجوة».
ثالثاً: الخسائر طويلة المدى
الخسائر المباشرة والخسائر السياسية والاستراتيجية، تؤدي في نهاية المطاف إلى خسائر على المدى البعيد، والتي ستظهر لاحقاً وسيكون لها تأثير على أمريكا والكيان، وتموضعهما الدولي، ولكن كذلك على الداخل في كل منهما. إضافة إلى الآثار المترتبة على ذلك في المنطقة والعلاقات البينية لدول المنطقة ومع محيطها الدولي.
إحدى هذه الخسائر، من وجهة نظر الأمريكي و«الإسرائيلي»، هي النتيجة المعاكسة تماماً لما أرادوا أن يحققوه، او بكلام آخر، تم تعزيز موقع إيران بدل إضعافها. فالحرب لم تحقق إسقاط النظام الإيراني، أو تغير سلوكه، وفي هذه الحالة، يشكل بقاء النظام بعد حرب واسعة انتصاراً استراتيجياً.
كما يمكن القول: إن الحرب سينتج عنها استنزاف طويل الأمد للكيان، حيث بدأ الحديث «الإسرائيلي» عن حرب طويلة، أو حرب دائمة مع إيران، وهذا الانتقال من حرب «خاطفة» إلى حرب «بلا نهاية»، هو فعلياً استنزاف على المدى البعيد، ويدرك «الإسرائيليون» أن ذلك يشكّل تهديداً وجودياً لم يسبق لهم مواجهته. علاوة على ذلك، فإن هذه الحرب أظهرت وبشكل واضح تراجع مصداقية الردع الأمريكي، والتراجع الأمريكي بشكل عام.
عودة إلى المقالة أعلاه التي نشرتها «هآرتس» في 8 نيسان بعنوان «من «النصر الكامل» إلى الفشل الاستراتيجي: وقف إطلاق النار يُضعف إسرائيل ويقوّي إيران». يقول الكاتب: «لقد تعززت مكانة إيران. إذ صمدت أمام هجوم مشترك شنه «الشيطان الصغير» و«الشيطان الكبير»، وتغلبت عليهما على الرغم من تفوقهما عليها عسكرياً وجوياً». ويضيف الكاتب عن نتنياهو، «كانت استراتيجية الدفاع التي تبناها ديفيد بن غوريون وأتباعه قائمة على حروب خاطفة، ونقل المعارك إلى أراضي العدو، وتحقيق انتصارات سريعة تُترجم إلى إنجازات دبلوماسية. أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو... فقد رسّخ مفهوماً مختلفاً: حروب طويلة الأمد، تُلوّح بها إسرائيل على الجبهة الداخلية، لا تنتهي بالنصر، ولا تُسهم في التوصل إلى اتفاقيات مستدامة. لقد ألحق هذا الرجل الفاشل، الذي لا يُطاق، بإسرائيل، في أقل من ثلاث سنوات، أسوأ هزائم استراتيجية في تاريخها. مجزرة السابع من أكتوبر، والحرب التي استمرت عامين في غزة وشمال البلاد، والتي انتهت دون هزيمة حماس وحزب الله، والآن، جرّ ترامب لإيران إلى حرب مشتركة أثارت دهشة العالم واستياءه، بما في ذلك غالبية الشعب الأمريكي. سيُقدّم حسابٌ للانتقام لإسرائيل ولليهود في جميع أنحاء العالم».
نشر «معهد دراسات الأمن القومي» في 9 نيسان، تحليلاً من عدة أشخاص حول الحرب، ويقول أحد المحللين: «يتمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه إدارة ترامب حالياً في تحويل وقف إطلاق النار الهش إلى اتفاق مستقر، على الرغم من الخلافات العميقة مع إيران حول قضايا، مثل: التخصيب، ومضيق هرمز، والصلة بين الساحة الإيرانية والساحة اللبنانية. ويأتي هذا في وقت لم يحقق فيه ترامب بعدُ صورة النصر الواضحة والحاسمة، التي يحتاجها لتقديم إنجاز استراتيجي مميز للرأي العام الأمريكي والعالم. بعبارة أخرى، يجب على ترامب أن يثبت أن الانتقال من الحملة العسكرية إلى طاولة المفاوضات لا يُنظر إليه على أنه تراجع أمريكي أو تنازل لإيران، مع إدارة العملية في الوقت نفسه بطريقة تُفضي إلى اتفاق يمنع الولايات المتحدة من الانجرار مجدداً إلى مواجهة مع إيران». ضمناً، هذا يعني، أن هذا الانتقال السريع من الحرب إلى المفاوضات هو فعلياً تراجع أمريكي، يستوجب الوصول إلى اتفاق وعدم الدخول في حرب أخرى مع إيران، لأنها غير مجدية.
نشرت صحيفة «Wall Street Journal» في 8 نيسان مقالة بعنوان «لماذا تعتقد إيران أنها انتصرت في الحرب رغم الخسائر العسكرية الفادحة؟»، يقول فيها الكاتب: «خرجت طهران من حرب دامت 38 يوماً ضد الولايات المتحدة وإسرائيل محققة ليس فقط هدفها الأساسي– وهو بقاؤها على قيد الحياة– ولكن أيضاً مكسبين استراتيجيين محتملين: السيطرة على مضيق هرمز وردع جديد ضد الهجمات واسعة النطاق من قبل خصومها القدامى... كانت تكتيكات طهران غير المتناظرة مُخططة بعناية لموازنة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، مما زاد الضغط على ترامب لوقف الصراع. ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ دون أن تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافاً بعيدة المدى كإسقاط النظام، والقضاء على البرنامج النووي الإيراني». ويضيف نقلاً عن أحد الباحثين في معهد الشرق الأوسط قوله: «ما فعلته إيران، بشكل منهجي ومتعمد، هو إلحاق الضرر بالاقتصاد الأمريكي... لقد حرصوا على أن يكون تأثير الحرب محسوساً في الولايات المتحدة... لا أعتقد أن ترامب سيحاول ذلك مرة أخرى». ويقول نقلاً عن خبير سابق في وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون إيران وعضو فريق التفاوض مع طهران في إدارة أوباما: «أي اتفاق يتوصل إليه ترامب الآن أسوأ من الاتفاق الذي كان مطروحاً عندما قرر تفجير الأمور».

نشرت صحيفة «معاريف» في 10 نيسان الجاري، مقالة بعنوان «شعور مرير: الحقيقة المرّة حول وقف إطلاق النار»، يقول فيها الكاتب: «ثمة شيءٌ يكاد يكون غير معقول في الواقع الذي نعيشه. أكثر من شهر من الفوضى في الشرق الأوسط: بلدٌ مشلول، مواطنون على حافة التأهب، جنود احتياط منهكون، وجبهات قتال نشطة من جميع الجهات. روتينٌ انهار، أعصابٌ مكشوفة، شعورٌ دائم بالخطر. ثم، في لحظة، وقف إطلاق النار. دون تفسير، دون مشاركة، دون شعورٍ بالنهاية. كما لو أن أحدهم ضغط زر «إيقاف» من أعلى، ونحن نقف على اللوح، ننتظر التعليمات التالية. لكن الحقيقة المُرّة، هي أن الآخرين لم يكونوا وحدهم من أوصلونا إلى هذه الحالة. لقد تلاعبنا بأنفسنا لنصل إلى هذا الوضع. سنوات من التبعية، والمماطلة المُتعمّدة، والاعتقاد بأن غيرنا سيُسهّل الأمور نيابةً عنا. اعتدنا على الاستسلام، وتأجيل القرارات، مُؤمنين بأن الوقت في صالحنا. وعندما يحين وقت الخروج الذي يُناسب القوة العظمى، نكتشف أننا لا نملك السيطرة على لحظة النهاية، ولا على كيفية حدوثها».
نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقالة في 11 نيسان، بعنوان «قرار ترامب بقبول وقف إطلاق النار كارثي»، يقول فيها الكاتب: «هذا ما حدث قبل أيام. قرر زعيم الإمبراطورية الأمريكية، في نوبة جنون، قبول عرض باكستان، وأعلن وقف إطلاق النار، والسلام العالمي، وعودة إيران... إن قرار ترامب بقبول وقف إطلاق النار، وتصريحاته بشأن «السلام العالمي وعودة إيران إلى سابق عهدها»، أمرٌ مدمر وخطير علينا. يميل بعض المعلقين إلى تجاهل هذه الحقائق الأساسية، ويحتفلون بوقف إطلاق النار باعتباره ضربة قاضية لنتنياهو. وهذا خطأ فادح. ليس لدي ما أقوله من خير عن نتنياهو وتحالفه الدموي. فهم أيضاً يشكلون تهديداً وجودياً لحياتنا... ولكن، في هذه الجبهة، في مواجهة النظام الإيراني... نقف جميعاً صفاً واحداً».
الخلاصة
الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة مع «إسرائيل» على إيران قبل ستة أسابيع، توقفت مؤقتاً قبل أيام، بالمعنى العسكري، بوقف إطلاق نار هشّ، وعودة إلى المفاوضات. انتهت الحرب دون نصر واضح بالمعنى العسكري المباشر، وبهذا المعنى، تكبدّت إيران الكثير من الخسائر نتيجة القصف الهمجي الذي طال بنى تحتية عسكرية ومدنية. إلا أن الهزيمة لا تقاس فقط بالخسائر المادية المباشرة، بل بالفشل في تحقيق الأهداف، وتآكل الردع، والانكشاف السياسي، وهذا ما ستكون له آثار أكبر على المدى البعيد، بما في ذلك في إعادة تشكيل التحالفات والتموضعات ضمن الإقليم، بالضد تماماً من رسمات «الاتفاقات الأبراهيمية» و«الناتو العربي» وما شابهها، وباتجاه تقارب أكبر بين شعوب المنطقة بمختلف قومياتها وأديانها وطوائفها، في إطار دفاع مشترك ضد الجنون «الإسرائيلي»... كما سيعزز تموضع دول المنطقة على الضفة الصاعدة من التاريخ، أي على الضفة الصينية-الروسية...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1273
ريم عيسى