الافتتاحية نهاية تاريخ الفوضى

على وقع التحليلات القائلة بدنو أجل الرأسمالية العالمية، والتحليلات المضادة التي تكابر قائلة بأن الأزمة الرأسمالية العظمى هي أزمة عابرة ودورية كسابقاتها، لا يجوز أن تتحول شعوب بلدان العالم الثالث إلى متفرجين ومنتظرين، وكأن الأمر لا يعنيهم وهم المنهوب الأكبر على مدى التاريخ المعاصر، والذي هو في جوهره تاريخ صراع بين الرأسمالية بكل مسمياتها ومراحلها من جهة، وبين الشعوب من جهة أخرى.

فمنذ المرحلة الاستعمارية (قديمها وجديدها) وصولاً إلى الليبرالية والنيوليبرالية والعولمة والفوضى الاقتصادية، كانت الرأسمالية العالمية ترفض المساواة، وتتمسك بالاستغلال وتعظيم الربح ونهب الشعوب، وهذا يعبر عن جوهرها المتوحش والمميت لنفسها في آن معاً!
وإذا كانت الأزمة الرأسمالية عام 1929 قد هيأت المناخ لاشتعال الحرب العالمية الثانية بعد عشر سنوات، فإن الأزمة الرأسمالية العظمى التي انفجرت الآن ليست تختلف في معطياتها وإحداثياتها الاقتصادية فقط، بل إنها جاءت بعد سبع سنوات من إعلان المحافظين الجدد الحرب على شعوب وبلدان «الشرق الأوسط الكبير» كضربة استباقية استراتيجية ومخرج متخيل لحل الأزمة الاقتصادية الداخلية بوسائل عسكرية خارج الحدود.
..ومثلما لا يجوز فصل أسباب انفجار الأزمة الاقتصادية المباشرة عن تعثر المشروع العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين، ومحاولات ضرب إيران وسورية (سواء من الداخل أو الخارج)، كذلك لا يجوز أن تقع شعوب وبلدان المنطقة في الوهم القاتل بأن انشغال الولايات المتحدة وحلفائها الإمبرياليين بإطفاء الحرائق في النظام المصرفي الرأسمالي العالمي، سيجعل الأطلسيين الجدد أقل ميلاً لتوسيع رقعة الحرب في منطقتنا بالذات وغيرها من مناطق العالم تحت يافطة الحرب على الإرهاب!
إذا كانت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تنبري اليوم لإكمال سرقة ما سرقته إليها المصارف والشركات الاحتكارية الكبرى والمضاربين الكبار، بإنفاق أموال دافعي الضرائب والثروات العربية وغير العربية المنهوبة والمودعة عندهم لإنقاذ النظام الرأسمالي ككل وليس النظام المصرفي فقط، فإن اللصوص الكبار سيتحولون إلى محاربين لتغطية اللصوصية الكونية بحروب كونية.
ومن هنا لا يجوز الاستهتار أو الانتظار حتى يقع «الفاس بالراس»، وقد يأتي أول الإنذارات من الكيان الصهيوني (والذي تبين دوره الوظيفي الكوني في حرب القوقاز)، ضد لبنان وسورية وإيران كجزء من المشروع الأمريكي العدواني من بحر قزوين حتى المتوسط.
وإذا كنا بحق قد غسلنا أيدينا من النظام الرسمي العربي، والذي لا نسمع عنه إلا إبرام عقود السلاح مع البنتاغون بمئات المليارات من الدولارات ليس للدفاع عن الحقوق العربية، بل للتخفيف من وطأة الأزمة الرأسمالية الأمريكية والتآمر على خيار المقاومة، وعزل سورية وإيران، فإن الشعب السوري الذي شاءت له الأقدار والظروف أن يحارب دوماً على جبهتين في آن واحد: جبهة الخارج لمواجهة المخططات الأمريكية ـ الصهيونية، وجبهة الداخل ضد السياسات الليبرالية التي تضعف البلاد من الداخل، مدعوّ اليوم ومعه كل الشعوب العربية وحركات التحرر الوطني في المنطقة إلى عدم الاسترخاء، وإلى تعزيز الوحدة الوطنية والتزام خيار المقاومة الشاملة بوجه المخططات الأمريكية ـ الصهيونية والرجعية العربية بقيادة السعودية، عبر تعبئة قوى المجتمع على الأرض ضد إرهاب الاحتلال الصهيوني الذي يحتل جولاننا وضد إرهاب الفساد الداخلي ونهب الاقتصاد الوطني وضد إرهاب الفكر التكفيري من حيثما أتى.
.. مع كل ما نتوقعه من تصعيد أمريكي ـ صهيوني وضغوط رجعية عربية ضد خيار المقاومة وضد شعوب المنطقة، فإن ظروف النضال والمواجهة اليوم، ليست أصعب مما واجهناه في السابق، لأن الإمبريالية العالمية تواجه أزمة لا مخرج منها، وتزداد مقاومة الشعوب لها يوماً بعد يوم، كما أن محاولة الولايات المتحدة وحليفتها الصهيونية تغطية حرب المال بحرب السلاح وتوسيع رقعة الحرب، ستكون بداية النهاية لتاريخ الفوضى الأمريكية على المستوى الكوني!