الصين تستعد لإطلاق خطتها الخمسية الـ15: «الاكتفاء الذاتي والقوّة بالعلوم والتكنولوجيا»

الصين تستعد لإطلاق خطتها الخمسية الـ15: «الاكتفاء الذاتي والقوّة بالعلوم والتكنولوجيا»

تستعد الصين لإطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026–2030)، التي تُعتبر وثيقة محورية لتحقيق «الاعتماد على الذات والقوة في العلوم والتكنولوجيا»، بحسب تصريحات مسؤولين صينيين. يرصد هذا المقال أبرز ملامح الخطة وبعض ردود الفعل الأمريكية الأولية.

إعداد: د. أسامة دليقان

وصف وزير العلوم والتكنولوجيا الصيني (يين خه جون) المرحلة المقبلة في الصين بأنها تتطلب التركيز على «تنمية قوى إنتاجية جديدة عالية الجودة». وتنطوي الأهداف الاستراتيجية الكبرى للخطة الخمسية الـ15 على النهوض بأعباء «فترة حاسمة لتحقيق الاعتماد على الذات والقوة في العلوم والتكنولوجيا وبناء الصين كقوة علمية وتكنولوجية».


المحاور الرئيسية للابتكار العلمي-التكنولوجي


حددت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في «الاقتراحات الخاصة بصياغة الخطة الخمسية الـ15» أربعة ترتيبات رئيسية للابتكار العلمي والتكنولوجي: 1- تعزيز الابتكار الأصلي وتحقيق اختراقات في التقنيات الأساسية. 2- تعزيز التكامل العميق بين الابتكار العلمي والتكنولوجي والابتكار الصناعي. 3- تطوير التنسيق المترابط بين التعليم والعلوم والتكنولوجيا والمواهب. 4- دفع بناء مبادرة «الصين الرقمية».
ومن أبرز عناصر الخطة التركيز على «صناعات المستقبل»، وهي قطاعات وصفها الخبراء بأنها «تتميز بالرؤية المستقبلية والأهمية الاستراتيجية والقدرة على إحداث تغيير جذري». الاقتراحات الصادرة في تشرين الأول 2025 حدَّدت بوضوح ستة مجالات رئيسية سيتم تطويرها: 1- تكنولوجيا الكم (الكوانتوم). 2- التصنيع الحيوي. 3- طاقة الهيدروجين والاندماج النووي. 4- واجهات الدماغ–الحاسوب. 5- الذكاء الاصطناعي المُجسَّد (Embodied AI وهو فرع من الذكاء الاصطناعي يدمج البرمجيات مع كيان مادي مثل روبوت ليتفاعل مع العالم الحقيقي ويتعلم منه). 6- اتصالات الجيل السادس G6.
وتدعو وثيقة المقترحات أيضاً إلى «استكشاف خرائط طريق تكنولوجية متنوعة، وتحديد سيناريوهات تطبيقية نموذجية، وتطوير نماذج أعمال قابلة للتنفيذ، وصياغة قواعد تنظيم سوق مناسبة» بهدف تحويل هذه القطاعات إلى «محركات جديدة للنمو الاقتصادي».


تعزيز الابتكار الأساسي والتطبيقي


شدد وزير العلوم والتكنولوجيا الصيني أيضاً على أهمية «تعزيز التخطيط الاستراتيجي والاستباقي والمنهجي للبحث الأساسي وزيادة الدعم الطويل الأجل والمستقر». ودعت الخطة المقترحة إلى «تحقيق اختراقات حاسمة في التقنيات الأساسية عبر السلسلة بأكملها»، مع تركيز الجهود على مجالات رئيسية مثل الدارات المتكاملة، والآلات الصناعية، والأجهزة العالية الدقة.
وفي الذكاء الاصطناعي، ستواصل الصين تعزيز مبادرة «AI Plus»، بهدف «تعزيز التكامل العميق للذكاء الاصطناعي مع الابتكار التكنولوجي، والتنمية الصناعية، واستهلاك متطور، وحماية سبل عيش الشعب». كما ستُركز على «تطوير خوارزميات نماذج جديدة ورقاقات ذكاء اصطناعي عالية الجودة». ويجدر بالذكر أنّه بحلول نهاية عام 2024، تجاوز عدد شركات الذكاء الاصطناعي في الصين 4500 شركة. وتتوقع الخطة أن يستمر تغلغل تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاعات رئيسية مثل التصنيع والتمويل والرعاية الصحية.
تم التشديد أيضاً على «تعزيز دور الشركات كلاعب رئيسي في الابتكار التكنولوجي»، مع دعم تطوير شركات التكنولوجيا الفائقة والشركات الصغيرة والمتوسطة، وتنمية ودعم البحث والتطوير في الشركات.


التحوّل الأخضر والطاقة


لم تقتصر الخطة على التكنولوجيا فحسب، بل تضمنت أولويات مناخية وطاقية واضحة. ولأول مرة، يتم الارتقاء بمبدأ «التحكم المزدوج في الكربون» إلى مبدأ مركزي في وثيقة التخطيط الوطنية، مما يعني تحولاً من التحكم في إجمالي استهلاك الطاقة إلى التحكم في إجمالي انبعاثات الكربون. وتشمل أولويات الطاقة تطوير «نظام طاقة جديد» قائم على: 1- زيادة حصة الطاقة المتجددة (الرياح، الشمس، الطاقة المائية، النووية). 2- تحسين مرونة ومرونة نظام الطاقة الوطني من خلال تطوير التخزين بالضخ ومشاريع تخزين الطاقة والشبكات الذكية. 3- مواصلة تحديث وتطوير محطات الطاقة التي تعمل بالفحم.


مؤشرات وأهداف كمية


وفقاً لأكاديمية الإنترنت الصناعي الصينية، بلغ ناتج هذه الصناعات نحو 11.7 تريليون يوان (1.68 تريليون دولار) في عام 2024، ومن المتوقع أن يتوسع إلى 15.5 تريليون يوان في عام 2026، بمعدل نمو سنوي يبلغ 15%.
وفي الأشهر الـ11 الأولى من عام 2025، تم تسجيل نحو 283,000 شركة جديدة في صناعات المستقبل، بزيادة سنوية قدرها 35.8%. كما قفز عدد شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي المسجلة حديثاً بأكثر من 29 ضعفاً.
وتستمر الصين باحتلال المرتبة الأولى عالمياً في عدد المنشورات في المجلات الدولية رفيعة المستوى وطلبات براءات الاختراع الدولية للعام الخامس على التوالي، وتقدَّمت في مؤشر القدرة الشاملة على الابتكار من المرتبة 14 في عام 2020 إلى المرتبة 10 في 2024.


الحوكَمة والقوانين


إدراكاً لما يمكن أن تنطوي عليه هذه الصناعات الجديدة من فترات احتضان طويلة، ومخاطر تجارية كبيرة، شددت الخطة على الحاجة إلى «تحسين القوانين واللوائح والسياسات ومعايير التطبيق والمبادئ التوجيهية الأخلاقية ذات الصلة، وتحسين آلية الحوكمة باستمرار». كما تم التأكيد على أهمية التعاون الدولي لجعل الذكاء الاصطناعي «خيراً عامّاً عالمياً يفيد البشرية».


اعتراف أمريكي: الصين تمضي «بسرعة البرق»


بشكل عام عكست ردود الفعل الأمريكية شعوراً متزايداً من جانب الولايات المتحدة بـالقلق الاستراتيجي الممزوج باعتراف ضمني بـفعالية التخطيط الصيني.
في مقال له في مجلة National Review، بتاريخ 13 كانون الثاني 2026، قال فيفيك لال (Vivek Lall)، وهو مسؤول تنفيذي كبير في مجال الطيران والدفاع الأمريكي، إنه بينما كشفت الصين علناً عن ثالوثها النووي في أيلول 2025، فإن تقدمها الأسرع والأكثر أهمية كان فيما وصفه بـ«الثالوث التقني» الذي يدمج الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية التشغيل (المستقلة).
واعترف لال بالنظرة الشاملة الاستراتيجية للقيادة الصينية قائلاً: «ما يمكننا قوله عن الحزب الشيوعي الصيني هو أنّه يرى الصورة الكبيرة».
ويشير لال إلى قيام الصين ببناء 34 مفاعلاً نووياً، مع خطط لبناء ما يقرب من 200 مفاعل آخر، كجزء من جهد منسق لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي ذات الاستهلاك الكثيف للطاقة. ويقول إن الصين تستخدم بالفعل كميات كبيرة من الكهرباء لنشر الذكاء الاصطناعي في التقنيات المستقلة ذات التطبيقات العسكرية، بما في ذلك الكلاب الكشفية الآلية ومحاكاة ألعاب الحرب. ويضيف أنه مع ظهور المزيد من المحطات النووية، من المتوقع أن تتحسن برامج الذكاء الاصطناعي الصينية مثل DeepSeek بسرعة، مما يتيح عرض الطاقة عبر الأرض والبحر والجو والفضاء، والفضاء الإلكتروني.
ودعا وزارة الحرب ووزارة الطاقة الأمريكيتين لتنفيذ مبادرة التكامل الوطني دون تأخير، المنصوص عليها في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، بشأن أنّ مستقبل القوة العسكرية سيتم تحديده بواسطة «الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والأنظمة المستقلة، بالإضافة إلى الطاقة اللازمة لتغذية هذه المجالات».
واعترف المسؤول الأمريكي بأنّ بكين انتقلت «بسرعة البرق» لربط هذه التقنيات، في حين أنّ الولايات المتحدة بالكاد بدأت للتوّ في التعرف على مدى ترابطها.


نوّاب أمريكيون: «الوقت ليس في صالحنا»


بعث مجموعة من أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي رسالةً في 9 شباط 2026، مخاطِبين وزيري الخارجية والتجارة الأمريكيين، قالوا فيها: «يتشارك حلفاؤنا معنا المصلحة في منع [الصين] من تحقيق الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات، وقد أظهر الكثيرون استعداداً للتوافق مع الضوابط الأمريكية. لكن الوقت ليس في صالحنا«.
وبحسب تقرير لرويترز في 13 شباط 2026 تعرضت الإدارة الأمريكية لانتقادات حادة في غرفها البرلمانية على ما وصفوه بـ«التراخي» الأمريكي في مواجهة التقدم الصيني، ومن بين المنتقدين تشاك شومر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، وماثيو بوتينجر نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، المعروف بمواقفه المتشددة ضد الصين.
فاتهم شومر الإدارة الأمريكية بـ«بيع الأمن القومي ورهن مستقبل الصناعة من أجل التودد لشي جين بينغ»، بينما وصف بوتينجر الوضع بأنه «سخرية مفرطة» لأنه في الوقت الذي تحاول فيه أمريكا فك ارتباطها بسلاسل توريد المعادن النادرة الخاضعة لسيطرة بكين، فهي «تسمح» للصين باكتساب نفوذ وسيطرة جديدين في قطاعات حيوية مثل الاتصالات والذكاء الاصطناعي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265