اكتشاف «الأحلام الإبداعية» في 5 دقائق من النوم
كريستين فرينش كريستين فرينش

اكتشاف «الأحلام الإبداعية» في 5 دقائق من النوم

يُقال إنّ الشاعر الفرنسي سان بول رو كان يخلد للنوم تاركاً على باب غرفته لافتةً تقول: «يرجى عدم الإزعاج، الشاعر في العمل الآن». وقيل إنّ ديمتري مندلييف تراءى له الجدول الدوري في الحلم عندما نام بعد ثلاثة أيام من الجهد العقلي المرهق. واعتاد بعض المبدعين، مثل نيكولا تسلا وسلفادور دالي، حمل كرة معدنية صغيرة قبل أن يغطّوا في قيلولة قصيرة، بحيث تفلت من يدهم فتوقظهم في لحظة مناسبة لكي يتذكّروا أحلامهم ويستفيدوا من وحيها الإبداعي. مؤخراً، رجّحت أدلة علمية تجريبية تأثيراً محفّزاً للإبداع من الأحلام في أولى مراحل «النوم اللاريميّ» NREDM والتي تسمى «غُرَّة النَّوم» N1.

ترجمة وإعداد: د. أسامة دليقان

نشرت مجلة «نوتيلوس» العلمية (Nautilus) بتاريخ 25 كانون الثاني 2023 مقالاً أضاءت فيه الكاتبة Kristen French على تجارب عالمة الأعصاب الفرنسية سيليا لاكو وزملائها، التي رجّحت وجود تأثير مهمّ للمرحلة الأولى من النوم اللاريمي على التفكير الإبداعي (وهي مرحلة بداية النوم الخفيف N1 وتستغرق 1 إلى 5 دقائق).
وقبل أن نستعرض أدناه أبرز ما جاء في المقال المذكور، نشير باختصار إلى أنّ النوم يمرّ عبر خمس مراحل متدرّجة من حيث عمقه: اليقظة، ثم المراحل الثلاث لنوم حركات العين غير السريعة NREM (وهي N1 وN2 وN3)، ثم مرحلة نوم حركات العين السريعة REM (المشهورة بغناها بالأحلام وتبدأ عادةً بعد نحو 70 دقيقة من فقدان النائم لليقظة الواعية). ونقضي نحو 75% من النوم في المرحلة اللاريميّة NREM وأغلبها تحديداً في N2. وتتألف ليلة النوم الواحدة نموذجياً من 4 إلى 5 دورات، وكلّ دورة تستغرق نحو 90 إلى 110 دقائق، وتتكون كل دورة بالترتيب مما يلي: N1 ثم N2 ثم N3 ثم N2 مرة أخرى، ثمّ REM.

دراسات في الأحلام والإبداع

يعتقد بأنّ «الأحلام الشفيفة» lucid dreams تحدث بشكلٍ رئيسٍ في مرحلة النوم الريميّ REM (والأحلام الشفيفة هي تلك التي يعرف الحالم فيها بأنه يحلم ويستطيع أحياناً توجيه أحداث الحلم). وقد لوحظ بأنّ الاستيقاظ من النوم الريميّ يحسّن القدرة على حلّ بعض الأحجيات مثل لعبة إعادة ترتيب أحرف الكلمة لتكوين كلمات جديدة منها، أو بشكل أعمّ: حلّ المسائل التي تتطلّب العثور على صلاتٍ بين أفكارٍ ضعيفة الترابط فيما بينها.

اكتشاف أهمّية «غُرَّة النوم» N1

اكتشف الباحثون مؤخَّراً حالةً جديدة للذهن تعتبر مرحلة انتقالية بين اليقظة والنوم، وجدوها خصبةً بالإلهام الإبداعي حتى أكثر من مرحلة نوم «حركات العين السريعة» (الريميّ REM). وتتوافق الحالة الذهنية المكتشَفة مع مرحلة N1 أو «غُرَّة النوم» بمعنى مُستَهلّه وبدايته (وهي أولى مراحل النوم اللاريمي).
هناك أحد أمراض النوم العصبية، يعرف باسم «النوم الانتيابي» narcolepsy حيث يسقط المصاب في نوبات مفاجئة من نومٍ لا يقاوَم خلال النهار. وبالتالي يتعرّض هؤلاء المرضى إلى الدخول في مرحلة «غرّة النوم» N1 والخروج منها بتكرار أكبر من الأشخاص العاديين.
وتتميز غُرّة النوم N1 بأنها حالة ذهنية «هجينة» أو «نصف شفيفة»، بحسب وصف عالمة الأعصاب الفرنسية سيليا لاكو، التي اعتبرت هذه المرحلة «غَسَقاً» عَقليّاً يسمح للشخص بأنّ «يراقب بحرّيةٍ عقلَهُ وهو يهيم على وجهه بينما يحتفظ ببعض القدرة المنطقية على تمييز شرارات الإبداع».
هذا الحدّ الضبابيّ بين اليقظة والحلم، متاحٌ لجميع النائمين وقد يكون مصدراً للكثير من الابتكارات والأفكار والأعمال الفنّية التي تتميّز بالجِدّة. ويطلق علماء النفس عليها مصطلح «هيبناغوجيا» hypnagogia (مُقتَبَل النوم أو مَطلَعُه).
وغالباً ما تتشابه غُرّة النوم N1 مع النوم الريمي REM بظواهر إدراكٍ لا إراديّة شبيهة بالأحلام (هلوَسات مُقتَبَل النوم)، وتنطوي على توليفاتٍ في مزيجٍ جديد أو غير عاديّ لتفاصيل من تجارب الشخص التي مرّ بها مؤخراً أثناء يقظته مع ذكريات رخوة الترابط. أما الفرق بين المرحلتين N1 وREM فهو أنّ الحالِم في الأولى يكون أقرب إلى «سطح النوم»؛ إلى التحكم الواعي والإدراك الحسّي لمؤثرات البيئة الخارجية.
وتقول إحدى الفرضيات الرئيسية حول الإبداع بأنه ينتج عن إنشاءِ عقولنا لصِلاتٍ بين مفاهيم مخزَّنة في ذاكرتنا لكنها ذات ترابط بعيد، في عملية تحدث بشكلٍ طبيعي خلال النوم والحلم.
ويفترض عالم الأعصاب كارل فريستون، المنكبّ على دراسة الوعي، بأنّ هذه العملية من الخلط للذكريات القديمة مع الحديثة تساعد منظومة ذاكرتنا على اختصار ما هو نافلٌ أو إزالة التعقيدات غير الضرورية، مما يجعلنا مهيَّئين للخوض في مدىً أكملَ من السيناريوهات الممكنة في حياتنا اليَقِظة.
ولكن مجرّد الترابط الجامح بين الأفكار والذكريات القَصِيّة، لا يُعتَبَر بحدّ ذاته كافياً لتفتُّح أزهار الإبداع؛ إذ ينبغي ألّا تكون الأفكار جديدةً فحسب بل ومفيدة أيضاً. ولهذا لا بدّ للمعرفة الإبداعية من أن تتضمّن أيضاً عمليّات التقييم والتمييز. «إنّ الصدفة لا تفضِّل سوى العقل المُستعدّ» كما قال لويس باستور، أحد مؤسسي علم الأحياء الدقيقة. والتقييم والتمييز يتطلّبان بعض التحكّم الواعي ويحدثان عادةً في اليقظة.

تجارب في تأثير الحلم على الإبداع

منذ بضع سنوات، قرّرت الباحثة لاكو التي تعمل في مركزٍ لعلاج مرضى «النوم الانتيابي» في باريس، أن تجري اختباراً للتحقق من التخمين الأولي الذي افترض أنّ المصابين بهذا المرض أكثر إبداعاً من عموم السكان، استناداً إلى تمتعهم بوصول متكرر وفريد إلى حالات هجينة بين النوم واليقظة.
في تجربة الباحثة وزملائها، تمّ إشراك فرنسيين وإيطاليين، عددهم 185 مصاباً بالنوم الانتيابي، مقابل 126 شخصاً طبيعياً كشواهد مقارنة. وتم اختبارهم ببعض أساليب قياس الإبداع والإنجاز الإبداعي؛ كأن يُطلَب منهم أن يأتوا بأكثر ما يمكن من الأفكار المتعلقة بمهمّات لفظية أو بصريّة معيّنة، من قبيل اختراع نهايات لقصّة ما وتوليد رسومات تضمّ شكلاً محدّداً معطى. كما طُلِبَ منهم أن يحبكوا العديد من العناصر المختارة مسبقاً (بعضها مجرّد وبعضها ملموس) لإنتاج قصّة أصليّة فريدة أو رسم لوحة.
ووجدت لاكو وزملاؤها أنّ المصابين بالنوم الانتيابي حصلوا عموماً على درجات تقييم أعلى مقارنة بالأشخاص غير المصابين به، وذلك في كلّ مقاييس الإبداع القياسية، ولكنّ قلّة منهم فقط تمكّنوا من تطبيق هذا الكمون الإبداعي لاستعماله بطرق مهنيّة أو موجَّهة لإنجازٍ ما. ليس هذا فحسب، بل وكان التقييم الإبداعي يزداد مع ازدياد أعراض هذا المرض لديهم (مثل شلل النوم، وهلوسات اليقظة، والتفاعل الحركي مع الحلم).
لاحقاً، قامت لاكو بتجربة أخرى أيضاً، صمَّمتها لاختبار فيما إذا كانت النوبات القصيرة من «غرّة النوم» N1 (والتي تشيع كثيراً عند مرضى النوم الانتيابي) ترتبط بشكلٍ فريد بالإبداع الزائد. ولهذا الغرض قامت الباحثة بعرض سلسلة من المسائل الرياضية على 103 أشخاص من ذوي النوم الطبيعي، والتي يمكن حلّها بسهولة وسرعة في حال اكتشف الشخص ما هي «القاعدة الخَفيَّة» الكامنة خلفها.
بعد ذلك، طُلِبَ من الخاضعين للتجربة أن يأخذوا استراحة لمدة 20 دقيقة يسترخون فيها مغمَضي الأعين بينما يمسكون بشيءٍ ما في يدهم اليمنى، وكلّ ذلك وأدمغتُهم مراقَبَةٌ بإلكترودات التخطيط الكهربائي للدماغ.
فوجدت لاكو وزملاؤها بأنّ المرور بفترة قصيرة لا تتجاوز 15 ثانية من مرحلة «غُرّة النوم» N1، خلال الاستراحة، كان كفيلاً بزيادةٍ بمقدار ثلاثة أضعاف في فرصة أنْ يمتلك الشخص بصيرةً إبداعيّة بعد الاستراحة بحيث يتمكّن من اكتشاف القاعدة الخفيّة لحلّ المسألة الرياضية، وذلك بالمقارنة مع الذين بقُوا مستيقظين طوال الاستراحة. والمثير بالنتيجة أيضاً، هو أنّ الذين ناموا في الاستراحة لما بعد فترة N1 بحيث دخلوا في N2 الأعمق قد فقدوا هذه الأفضلية الإبداعية.

«بصمة كهربائية» للحلم الإبداعي

بدراسة غرّة النوم N1، تعرّفت لاكو وزملاؤها على ما يعتقدون بأنه «التوقيع العصبي» للإبداع في بيانات تخطيط الدماغ. حيث لوحظ بأنّ المشاركين بالتجربة كانوا أكثر نجاحاً في حلّ المسائل المعطاة (سواء بتأثير نومهم في N1 أو حتى في اليقظة لدى قلّة منهم) عندما احتوى مخطَّط كهربائية أدمغتهم على عددٍ معتدل من الموجات ألفا (المميزة للانتقال من اليقظة للنوم) وعلى مستوى منخفض من الموجات دلتا (المميزة للنوم العميق).

تعقيب ختامي

في تأويلهم الوظيفي لهذه التوليفة من النشاط الدماغي العصبي والكهربائي (التي لوحظت بشكلٍ خاص عند مَن مرّوا في غُرّة النوم N1 سواء خلال الانزلاق فيه أو الاستيقاظ منه) اعتبرت الباحثة وزملاؤها أنّها «تنسجم مع المعرفة الإبداعية، التي تتميّز بتفاعل التحكّم المعرفي المضبوط مع الخيال والفكر العفوي المفكَّك». إذاً، ربّما يكون الإبداع البشري كامناً في هذه الوحدة الديالكتيكية لمتناقضَين: انضباطُ الوعي وجُموحُ اللاوعي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1118
آخر تعديل على السبت, 06 أيار 2023 22:44